الاثنين، 19 أكتوبر 2015

حوار بين محمد عبد الكريم الخطابي و عبد الخالق الطريس



حوار بين محمد عبد الكريم الخطابي و عبد الخالق الطريس


    بعد الاستقلال بسنة واحدة أي سنة 1957 كان عبد الخالق الطريس قد تم تعيينه للتو سفيرا للمغرب بمصر، فحدث أن دعاه يوما الأمير محمد بن عبد الكريم الخطابي للغذاء في منزل أخيه امحمد و بحضور الأستاذ التهامي الوزاني الذي كان في رحلة إلى الحج مارا بمصر أثناء العودة، و قد دون رحلته تلك التي استغرقت ثلاثة أشهر و التي عنونها ب (الرحلة الخاطفة) و فيها دون الحوار الذي دار بين محمد بن عبد الكريم الخطابي و السفير عبد الخالق الطريس، و الحوار كان حول الأوضاع العامة في المغرب و كذلك حول دعوة الطريس للخطابي للعودة إلى المغرب، الحوار حسب التهامي الوزاني تقابل فيه أسلوب رجل سياسي حنكه الجدل و الأخذ و الرد، و أسلوب المناضل المستميت الذي لا يزحزحه الخذلان، مزاج الدبلوماسي الذي يقلب الأمور و ينظر إليها من أبعاد و زوايا شتى في نفس الوقت، و مزاج المحارب غير المستعد لإهدار طاقاته في تأويلات يعتبرها ملتوية و مبددة لكل وضوح... الحوار أعاد نشره و التقديم له الأستاذ إبراهيم الخطيب في العدد السابع من مجلة على الأقل التي كان يديرها محمد معروف و يترأس تحريرها عبد القادر الشاوي و ذلك سنة 1992، فبعد تعريف بحيثيات اللقاء و ظروف التدوين أورد إبراهيم الخطيب نص الحوار كما دونه التهامي الوزاني و الذي بدأه بقراءة حول بطولات و أمجاد الحرب الريفية و قيادة الأمير محمد بن عبد الكريم الخطابي المتميزة، و مما قاله عن الخطابي أنه ينطبق عنه قول الرسول (علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل) لأنه حارب المستعمر بالعلم، كما قال أن لابن عبد الكريم شيعته، و له خصوم أيضا، و يبقى هو هو البطل سواء عند الأنصار أو الخصوم.
       ابتدأ النقاش بين الأمير و الطريس حول الأوضاع الاجتماعية في المغرب كمشي النساء سافرات في المدن و التحولات في الأخلاق العامة حيث حاول الطريس إقناع ابن عبد الكريم أن المرأة في هذا المجال لا ينبغي أن تحس بسيطرة الرجل الكاملة عليها، و تعتبر ذلك وجها من وجوه الاستعباد، و أنه ليست قضية سفور المرأة في المجتمع الإسلامي بالطامة الكبرى، و بعد الحديث عن المرأة و الآداب العامة في المجتمع انتقل الأمير إلى الموضوع الأهم و الأساسي و هو الأوضاع السياسية في المغرب في تلك الفترة الدقيقة التي أعقبت الاستقلال الشكلي للمغرب، حيث قال إن المغرب لا يمكن أن يعتبر مستقلا إلا إذا انسحب عنه الجيش الفرنسي بالكامل، و لم يبق بالإدارة المغربية أجنبي، فما دام الجيش الفرنسي بالبلاد، و المدراء الفرنسيون يقومون بالوظائف الحيوية فالاستقلال صوري يوهم المغاربة فقط أنهم مستقلون، إنه مخدر ناولته فرنسا للمغاربة لتتفرغ لمحاربة الجزائريين، و لا زالت فرنسا تعتبر الجزائر جزء من التراب الفرنسي، في حين أن المغرب و الجزائر و تونس وطنهم واحد و قضيتهم واحدة، و هاهي فرنسا تدعو إلى إقامة مشاريع دولية بالصحراء في الجزء الذي تحت سيطرتها دون تشاور مع المغاربة، و تأذن للولايات المتحدة بإقامة مطاراتها بالمغرب دون أن تشعرهم أيضا، و قال إن الاستقلال الذي عرفه المغرب شكليا فقط و على المغاربة أن يجابهوا الحقيقة المرة و يعلموا أن بينهم و بين الاستقلال الحقيقي بحار من الدماء و الدموع. و قال عن الثورة المغربية التي كان من مؤسسيها أنها جاشت على صدور المغاربة، حتى أذا أوتيت أولى ثمارها تولى أمرها خريجي المدارس الفرنسية فأول ما فعلوه أنهم حموا فرنسا و راحوا يشيدون بمجدها و عظمتها، أما عن القادة السياسيين المغاربة فقد قال الأمير ابن عبد الكريم أنهم يفتقرون إلى الشجاعة الكافية لقيادة الشعب المغربي الثائر، و أحزابهم أصيبت بالتعفن، و أصبح المغرب في حاجة إلى قادة من نوع آخر، قادة من الشعب و يحملون نفس الروح التي يحملها الشعب...
       أما رد السفير عبد الخالق الطريس على هذه المواقف فكان يرتكز على أن الاستعمار في المغرب يختلف جدا عن نظيره في المشرق، فاستعمار فرنسا من بريطانيا، لأن فرنسيي المستعمرات ليسوا فرنسيين حقيقيين بل هم مجنسين فقط من إسبان حمر و إيطاليين منبوذين و أفارقة و غيرهم، و تهدف بهم إلى الإبادة التدريجية لشعوب شمال إفريقيا... ليصل إلى موقف مفاده أن المجتمع الدولي حال بين فرنسا و سياسة الإبادة التي تنهجها، فقوتنا أن نعول على الرأي العام الدولي دون أن نعتمد عليه كثيرا، أما إذا حاربناها فإن الرأي العام الدولي سيكون معها حتى و إن كنا على حق، و عزز الطريس موقفه بأن الاستقلال بمجرد أن أعلن عنه انسحبت المراقبات الأهلية من البوادي و القبائل و بدأ يندثر الحكم المباشر، و أضاف الطريس في موقف المدافع عن الاعتماد على الرأي العام الدولي أكثر من الثورة الشعبية أنه " للأسف لدينا في المغرب رجال منافقين لا يمجون عن أن يكونوا ضد المغرب إذا ما وجدوا المساعدة الأجنبية".. كذلك بالنسبة للجزائر التي بها مليون متجنس بالجنسية الفرنسية، فالأمم تنتظر من الجزائريين أولا أن يحققوا انتصارا عسكريا ليثبتوا وجودهم و حيويتهم، و سيكون هناك تعاطف دولي مع الجزائر، و لكن هذا الرأي العام لن يتخلى عن المليون فرنسي ما عدا إذا اتخذت الجزائر موقفا شبيها بالموقف المغربي، أي موقف لا يكون معاديا لفكرة الصداقة مع فرنسا، و المغرب يمكن أن يساعد الجزائر في كل شيء إلا في المجال الحربي.

        بعد هذا الموضوع انتقل الطريس إلى الحديث عن بناء المغرب الجديد، المغرب المستقل، حيث احتوى حديثه على دعوة الأمير إلى العودة للمساهمة في البناء و الإصلاح، أو لنقل مسيرة العمل التي سيساهم فيها ـ حسب الطريس ـ الملك محمد الخامس، و حزب الاستقلال بعد تنقيته من الانتهازيين و المقنعين بالوطنية و محمد بن عبد الكريم، قال الطريس " وجودكم بالمغرب أصبح اليوم ضروريا و مفيدا"، و كان رد الأمير أنه بوده لو يعود لوطنه و مسقط رأسه و لكنه وعد ضميره أن لا يعود إلى المغرب إلا بعد أن يستقل، و لكن يبدو أن الطريس بحنكته و دبلوماسيته استطاع أن يؤثر عليه تأثيرا عميقا، قال له: نحن المغاربة المناضلين لا نرضى أن تبقوا في نفس الوضعية التي كنتم عليها قبل الاحتلال من حرمانكم من دياركم و أحوالكم و مراتع طفولتكم ... هنا بدأ حديث الطريس يتغير تدريجيا من العام إلى الخاص، من المغرب إلى الريف بل إلى بني ورياغل " فإن بني ورياغل مشتاقة إليكم مثل ما أنتم مشتاقون إليها"، فاغرورقت عيني الأمير بالدموع و قال له بصوت خافت: أرجو أن يكون لسعادتكم الفضل في رجوعي و أخي إلى الوطن الحبيب، و مما تطرق إليه الأمير أثناء الحديث أنه كان مريضا و في حمية، أي لا يأكل إلا بإرشاد الطبيب " كل ما أستطيع أكله قطعة من فرخة فتية مطبوخة بالماء و القليل من الملح". هنا طلب الطريس الإذن بالانصراف لقرب موعد حضوره لأحد المؤتمرات و دعى الأمير ليزوره في بيته لاحقا ووافق الأمير و حدد معه الموعد. و أما الأستاذ التهامي الوزاني فيبدو أنه خلال الحوار كان يكتفي بالاستماع و التركيز فحتى كتابته للحوار الذي ضمنه في تدوينة رحلته فإنه لم يبدأها إلا في يفرن بليبيا في طريق عودته.        

السبت، 14 مارس 2015

لغة الأرض ... ثقافة الأرض

لغة الأرض ... ثقافة الأرض 
بقلم: فريد المساوي

      بعد ندوة لغة الأرض المنظمة من طرف جمعية حب الأرض ( تايري ن واكال ) بتزنيت، هل يمكننا الحديث عن مفهوم ثقافة الأرض؟ 
        أولا أود أن أثمن خطوة جمعية تايري ن واكال على اهتمامها بهذا الموضوع الهام و الذي أولت له على ما يبدو اهتماما خاصا، تهدف من خلاله إلى التنبيه و التحسيس بأهمية العلمية المكانية أو ما يسمى بالطبونيميا، خاصة هنا في المغرب حيث أن التهميش الذي لحق بهذا المجال كانت له نتائج خطيرة جدا أدت إلى التأسيس لثقافة مؤسساتية مفارقة لثقافة الأرض و المجال و الواقع المعاش.
العلمية المكانية:
      لعل بداية الاشتغال على موضوع العلمية المكانية أو الطبونيميا في مجال جغرافي معين يكون أولا بالقيام بجرد و جمع أسماء الأماكن المتواجدة ضمن هذا المجال و محاولة تقديمها بالتعريف بها بالبحث عن معاني لها، ابتداءا من المدلول اللغوي للكلمة، ثم الاصطلاحي ثم بعد ذلك محاولة البحث عن تاريخ و ظروف إطلاق المفهوم على المنطقة حسب المعطيات المتوفرة، و لعل أهم ما ينبغي أن نركز عليه في مجال العلمية المكانية هو حفظ المعجم المكاني من التحريف أو الترجمة حتى لا يفقد حمولته الثقافية المرتبطة ارتباطا و ثيقا بالمنطقة، لقد سبق للحركة الأمازيغية بالمغرب أن نددت في عدة مناسبات بالحملة التي تستهدف تغيير أسماء الأماكن بتعريبها أو تشويهها أحيانا كتعريب أو تغيير قالب الكلمة فقط دون ترجمتها لغويا مما ينتج عنه أسماء لا معنى لها إلا كونها تطلق على منطقة كذا أو مدينة كذا و لكن التنديد و الدعوة إلى الحفاظ على أسماء الأماكن كان ينظر إليه من زاوية سياسية مختزلة كما كانت نظرة النخبة و المؤسسات إلى مطالب الحركة عامة على أنها مطالب ضيقة مبنية على نزعة الإنتماء أو مدفوعة من الخارج لزعزعة وحدة الهوية، و لم ينظر إلى المسألة في جوهرها و ما تشكله من خطورة، و لا إلى أهمية العلمية المكانية و ارتباطها الوثيق بالنسق الثقافي العام للبلد.
لغة الأرض:
         إن المقصود بلغة الأرض هنا هو ذلك الزخم الكبير من الأسماء و النعوت و الصفات التي تطلق على الأماكن و معانيها و مدلولاتها اللغوية و الجغرافية و التاريخية، و التي ينبغي أن تجمع في إطار معاجم خاصة و التحسيس بأهميتها و الحفاظ عليها و الاهتمام بها بالجمع و التدوين و كذا بالدراسة و التحليل، و تشجيع الباحثين في شتى المجالات للبحث فيه، لأنه مجال تتقاطع فيه اللغة بالتاريخ و الجغرافيا و السوسيولوجيا و الدين و غير ذلك من التخصصات و الميادين، و لكن اللغة تكتسي فيه أهمية بالغة ذلك أن أسماء الكثير من الأماكن تعرض للتحريف أو التغيير أو في أحيان أخرى حافظت على صيغتها الأصلية و لكن نجد أن الكلمة لم تعد مستعملة في الواقع مما يتطلب مجهودا و بحثا لإيجاد مدلولها و معناها، إن لغة الأرض الأصلية في المغرب و التي لم تتعرض للتشويه أو التحريف هي اللغة الأكثر صدقا في التعبير عن الهوية الوطنية و هي المفتاح لحل و فهم الكثير من الألغاز المستعصية في تاريخ المغرب سواء القديم أو الوسيط أو الحديث مثلها مثل الحفريات و اللقى الأثرية المادية التي تسلط الضوء على حقب التاريخ المنتمية إليها، و كذلك في مجال الجغرافيا مثلا فقد كنت أعرف أستاذا جامعيا من الذين انتبهوا لهذه المسألة دون أن تكون له علاقة بالحركة الأمازيغية فقد كان يؤكد أن على الأقل المصطلحات الجغرافية في المغرب كان ينبغي أن تدرس بلأمازيغية، فكان يقول إن القمة معناها إش و جمعها إشاون فالذي لا يفهم هذه الكلمة لن يعرف علاقة اسم مدينة اشاون بقمتي الجبلين المطلين عليها، كما قال يوما أن سفوح الجبال لابد من التمييز فيها جغرافيا بين السفح المشمس و السفح المظل، فإذا كانا في اللغة العربية كل منهما يسمى سفحا و لكن نضيف إليه الصفة التي تميزه مشمسا أو مظلا فإن في الأمازيغية لكل منهما اسما خاصا (أسمار ) و ( أمالو)، كان الهدف من ذكر هذه الأمور التأكيد على أهمية لغة الأرض في تقاطعها مع مختلف المجالات و الدراسات الأكاديمية و الأمثلة غير هذا كثيرة جدا، كما أود الإشارة إلى أن الاهتمام بلغة الأرض أو العلمية المكانية لا ينبغي أن يقتصر على المراكز الكبرى فقط و الأماكن المعروفة كالمدن و القرى و الوديان و السهول بل في القرية الواحدة و الأماكن المحيطة بها من جبال و سفوح و سهول و منحدرات نجد الكثير من الأماكن يسمى كل منها باسم خاص متميز و عريق و ذو دلالة قد تكون لها أهمية كبرى لا ينبغي إغفالها.
ثقافة الأرض:
         في كل منطقة و في أي مجال جغرافي أردنا دراسته و الاشتغال عليه في مجال الطبونيميا، نلاحظ أن الأماكن لا تحمل فقط أسماء ذات دلالات و لكن الأماكن لها ذاكرتها الخاصة، و لها ثقافة لصيقة بها و لها خصائص تميز كل منها عن غيرها، ابتداءا من الطبيعة الجغرافية كنوع التضاريس و نوع التربة و الغطاء النباتي و غير ذلك، أو من الناحية التاريخية كوجود أثر أو خربة أو غير ذلك أو للمنطقة ذكر في مصدر أو كتاب معين، أو هناك موروث شفوي لدى ساكنة المنطقة مرتبط بالمكان سواء كان الموروث ذات طابع تاريخي كحكاية عن حدث في الماضي، أو أسطوري أو ديني أو به ضريح (سيدي فلان أو لالة فلانة) أو أن المكان تسكنه الجن أو غير ذلك، فهذه الأمور مجتمعة تشكل ما يمكن تسميته بثقافة المكان أو ثقافة الأرض، إن هذه الثقافة في الغالب ترتبط بالأسماء و الأعلام المكانية و لا يمكن فصل المجالين العلمي (الإسمي) و الثقافي في المكان، لأن كل منهما قد يكون موضحا و مفسرا للآخر، و إذا ما تعاطينا للكتابة و التدوين في هذا المجال، فإنه يمكننا جمع كم هائل جدا من المعطيات حول مكان صغير أو حيز جغرافي محدود، و تلك المعطيات ستكون لها أهمية بالغة تفيد الباحثين من الأجيال القادمة، كما سيكون تأكيدا لحضور و استمرار ثقافة الأرض و حفظها من الاندثار و الضياع، كما ستكون، و هذا هو الأهم، أكبر عمل لخدمة و حفظ الهوية الحقيقية للبلاد لأنها هوية مرتبطة بتلك الثقافة اللصيقة بالأرض كالصخور الصماء التي ليس من السهل اقتلاعها أو تكسيرها، كما أن التفكير في تدوين ثقافة الأرض في المغرب ليس عملا سهلا بل هو عمل يتطلب الكثير من الجهد و التعاون و التشارك، و يتطلب إمكانيات هائلة جدا، و لكن إذا توفرت الإرادة على الأقل فكل يعمل ما يستطيع و يمكن مستقبلا المطالبة بتدخل المؤسسات الرسمية لدعم العمل في هذا المجال، و المطالبة بإحداث شعب في الجامعات و تشجيع الباحثين في مجال لغة وثقافة الأرض.
خاتمة:
         إن الأرض لها لغة و ثقافة مرتبطة بها أشد الارتباط لا يمكن لأحد أن ينكرها أو ينزعها عنها أو يعوضها بغيرها بسهولة، خاصة إذا نالت هذه اللغة و الثقافة قسطها من الاهتمام و التدوين و الحفظ، و لو تغيرت لغة الإنسان التي ينطق بها فإن لغة الأرض تستمر و تبقى، لأن لها جذور ضاربة عميقا في تربة الأرض و صخورها، و لكنها رغم ذلك فإنها في حالة الإهمال و اللامبالاة و التواطؤ فقد يقع لها الطمس و الاجتثاث، مما يتطلب منا أن نعي هذه المسألة و نفكر في الأساليب الكفيلة بحفظ ثقافة الأرض و ضمان الاستمرار لها في عصر زحف الثقافة المعولمة حيث البقاء للأقوى و لا مكان للضعفاء، و لهذا فعلينا أن نولي ثقافة الأرض الكثير من الاهتمام و العناية، ابتداءا من الجمع و الجرد و التدوين كخطوة أولى موازاة مع التحسيس بقيمة هذا الموروث و أهمية الاحتفاظ به، ثم تأتي بعد ذلك مرحلة التحليل و النقد و الدراسات المقارنة المبنية على ما تم جمعه وتدوينه

الثلاثاء، 27 يناير 2015

حول السنة الأمازيغية والتقويم الزراعي إلى المسمى محمد أقديم


حول السنة الأمازيغية والتقويم الزراعي
إلى المسمى محمد أقديم


بقلم: فريد المساوي     

         يطل علينا في شهر يناير من كل سنة شخص اسمه محمد أقديم بمقالة حول السنة الأمازيغية يعيد نشرها كل مرة رغم أنه لا يقول فيها شيء، إلا إشارته إلى عبارة " كل المصادر الحديثة و الوسيطية و القديمة ، العربية منها و الرومانية و الإغريقية .. " دون أن يذكر مصدر واحد منها ضنا منه أن هذا كافي ليجعلنا نعتقد أنه مؤرخ وأنه اطلع على كل مصادر التاريخ الموجودة في الكون، ناسيا أن مستوى الشخص يظهر من كتابته ولغته وأسلوبه. ينتظر مناسبة رأس السنة الأمازيغية من كل سنة ليعيد نشر خربشاته من جديد ليقول أن السنة الأمازيغية و التقويم الأمازيغي مجرد خرافة، و أنها استحدثت في السبعينيات من القرن العشرين في الأكاديمية البربرية، مستغلا عدم وجود كتابات أرخت بتأريخ يوافق ذلك التقويم، و هنا يقول أن " شعوبا ما في إطار صعودها و نهَضاتها الحضارية في مراحل تاريخية معينة، عند ما وعت ذاتها الحضارية و تميزها الثقافي عن الآخر المعاصر لها أنذاك، تبنَّت و توافقت حول تقويم تاريخي ما، و وضعت له حدثا تاريخيا بارزا و مجيدا و فاصلا في تاريخها، كبداية لذلك التقويم "، و هنا لم يوضح لنا الكاتب طبيعة علاقة النهضة الحضارية بوجود تقويم مستقل لدى الأمم، و هل وجود تقويم مستقل لدى أمة معينة يدل على أنها عرفت نهضة حضارية بالضرورة؟ و هل كل الأمم التي عرفت نهضات حضارية عبر التاريخ وضعت تقويمات مستقلة خاصة بها؟ أنا لا أرى ذلك بحيث الكثير من الأمم التي بنت حضارات كبرى و شهد لها التاريخ بذلك تبنت تقويمات مستوردة فأدخلت عليها بعض التعديلات كتغيير بداية السنة و أيضا الشهور و لكن وفق النظام المستورد أو تعمل به كما استوردته، كما أن صاحبنا يعلم جيدا وجود أمما لم تكن لها حضارة يوما و هي أمم بدوية بطبعها و لكنها غزت أمم أخرى و قرصنت حضاراتها و رغم ذلك فهي لها تقويمها الخاص بها، و لعل المنتسبون لمثل هذه الأمم هم الذين يضنون بوجود علاقة بين التقويم المستقل و الحضارة بحيث كان هاجسهم الوحيد عبر تاريخهم هو تزوير تاريخ الأمم التي غزوها و طمس ذاكرتها و إذابتها في إطار سياسة احتوائية بشتى الوسائل ضنا منهم أنهم بذلك سيوهمون العالم للأبد أن الحضارة التي ينسبونها إليهم هي حقا لهم و هم بناتها و لكن هيهات، فإن الحقيقة تنقشع مهما طال الزمن، و ها هم اليوم يحسون بعوراتهم تنكشف، و أن حضارتهم الوهمية التي بنيت على الأكاذيب لم توصلهم إلى شيء بل جعلتهم في مؤخرة الركب الحضاري للأمم، و بالتالي بقي أمامهم شيء واحد هو العنف المادي و الفكري، ليفرضوا استمرار تصديق الأكاذيب التي نشروها عبر قرون تارة بربطها بالدين لإضفاء القدسية عليها و تارة بالرعب و قهر المخالفين.  و فيما يخص الوعي بالذات الحضارية و التميز عن الآخر المعاصر، هل يريد الكاتب بقوله أن يقول لنا الأمازيغ لم يعرفوا يوما ما الوعي بالذات و التميز عن الغير فقط لأنهم تعرضوا لغزوات متتالية من طرف الآخر جعلتهم يظلون في الهوامش في بلدهم؟ لو لم يكن هذا الوعي موجودا و لو بنسب متفاوتة فهل يتصور كاتبنا أن يكون الأمازيغ حافظوا بلغتهم و ثقافتهم و تميزهم لقرون عدة رغم مختلف أنواع التهميش و الإقصاء الثقافي الرسمي و الإبادة الثقافية؟ و كيف يفسر كاتبنا شعار ماسينيسا " إفريقيا للأفارقة " الذي تحدث عنه مختلف المؤرخين إن لم يكن وعيا بالذات و بالتميز الحضاري. يضيف صاحبنا: " ومما يبين عراقة هذه التقاويم و أصالتها التاريخية هو تأريخ الشعوب والأمم التي تبنَّتْها للوقائع و للأحداث التي عرفتها في مسارها التاريخي بهذه التقاويم، حيث استعملت أيامها و شهورها و سنواتها  في تدوين و توثيق تلك الأحداث و الوقائع، ولذا نجد مصادرها التاريخية  القديمة زاخرة بالوقائع و الأحداث التي أُرخت و وُثِّقَت بهذه التقاويم"، هنا أساءله هل تركت الأمم الغازية و من بينها العرب كتابات كتبها أمازيغ عن أنفسهم و تاريخهم حتى نرى إن كانت مؤرخة بهذا التاريخ أو ذاك ؟ سيكون جواب صاحبنا بالتأكيد أن الأمازيغ لم يكتبوا، أقول له لا لقد كتبوا و خلفوا كتابات و العرب أحرقوا كل ما وجدوه بصريح العبارة، و قد أشار إلى ذلك الحسن الوزان الفاسي في (وصف إفريقيا)، حيث قال أنه لما كان الحكم بيد المبتدعة الهاربين من أمراء بغداد أمروا بإحراق كل كتب الثقافة المحلية حتى لا تسود إلا ثقافتهم، و يؤكد لنا هذا أنها كانت تلك عادتهم، فقد فعلوا ذلك في العراق و فارس و كذلك في مصر، ثم إن كان صاحبنا لا زال لم يصدق مسألة الحرق، أطرح عليه سؤالا آخر هو كيف يفسر أن هذا الشعب كتب على الحجر نقائش كثيرة لا تزال منتشرة في ربوع شمال إفريقيا إلى اليوم و هي عملية صعبة تتطلب جهدا كبيرا و لم يكتبوا على الورق أو على رقاع الجلود إن كان الورق لم يعرفوه و هي عملية أقل صعوبة و مشقة، إن محاولة مجموعة من البدويين إتلاف تلك النقوش في السنوات الأخيرة لا أراه ينفصل عن ما تهدف إليه أنت بخربشاتك هذه، طبعا ما دامت الكتابات التي أشير إليها أحرقت و أتلفت للغاية نفسها التي تعمل أنت من أجلها اليوم و هي محاولة يائسة لإثبات أن هذه الأمة المسماة أمازيغ غير موجودة بل مجرد وهم، فمن الطبيعي أن تكون مكتوبة بلغة الغزاة ووفق تقويمهم بل وترتبط بتراثهم و أساطيرهم لأن ذلك جزء من الغاية المسطرة مسبقا و تأسيسا لها، فلا غرابة أن نجد بيننا اليوم من لا زال يصدق أن زعيما وهميا اسمه إفريقش جاء إلى هذه البلاد في زمن ما فسميت باسمه، أو آخر اسمه بر بن قيس عيلان، و رغم أن هذه الخرافات في تفاصيلها ما يثبت بطلانها و أن المصادر التي تحدثت عنها لا تفرق بيت التاريخ و الخرافات كما أنها تتحدث عن أمور غير معاصرة لها، بل عن فترات سبقتها بقرون و لم تثبت المصادر التي نقلت عنها، فإنهم لا يزالون يصرون على الإبقاء عليها و استحضارها إلى جانب الأبحاث العلمية بل أكثرهم يفضل أن يرجحها على غيرها لأنها هي التي تخدم مشروعه.
          فيما يتعلق بتخليد مناسبة السنة الأمازيغية الجديدة قال صاحبنا ما يلي: " إذ ليس هناك في المصادر التاريخية، لا القديمة و لا الوسيطة و لا الحديثة ، لا وجود في المصادر الفينيقية ولا الاغريقية و لا الرومانية و لا العربية، و لا في القرائن الأثرية لما يشير أو يوحي الى أن الأمازيغ قد سبق لهم أن أرخوا بهذا التقويم، الى غاية السبعينيات من القرن الماضي، حيث سيبدأ النقاش حول هذه المسألة في الأكاديمية البربرية بباريس. و ليس هناك و لو حدث تاريخي واحد أو واقعة تاريخة واحدة أرخت بهذا التقويم قبل التسعينيات من القرن الماضي" هنا أقول لصاحبنا أن اجتهادات الأكاديمية البربرية هي فقط محاولة إيجاد بداية تاريخية لهذا التقويم، و ليس كما تحاول أن تجعلنا نتصور و كأنهم هم من وضعوه أصلا، فهم لم يبدأوا بحوثهم واجتهاداتهم في هذا المجال إلا لأن التقويم وجدوه في المجتمع متوارثا عبر الأجيال، و مضبوط وفق التحولات المناخية المرتبطة بتعاقب الفصول والشهور وكان في كل مناطق المجتمع المغاربي قوامون يتقنون الحسابات المتعلقة بهذا التقويم و مناسباته و التي ترتبط أشد الارتباط  بالبيئة و التغيرات المناخية و بالتالي بالفلاحة، بداية و نهاية كل موسم من مواسمها و هو نفسه بما في ذلك يوم الاحتفال ببداية السنة في نفس اليوم في مناطق مختلفة و متباعدة عن بعضها البعض، و لا شك أن هؤلاء القوامين من الشيوخ و العجائز و بعض الفقهاء و الذين كنت أعرف شخصيا الكثير منهم لا يعرفون شيئا اسمه الأكاديمية البربرية. فهذا التقويم الذي كان مهمشا على المستوى الرسمي، و لكن على المستوى الشعبي هو الذي كان معمولا به أكثر من التقويم الهجري نفسه الذي لم يكن يتعدى دوره تتبع تواريخ المناسبات الدينية أما التقويم الأمازيغي فقد قاس عليه أجدادنا فترات الدورة الزراعية من حرث بفتراته حسب أنواع المزروعات و حصاد و جني مختلف أنواع الثمار و الغلات و أوقات تشذيب الأشجار المختلفة و غير ذلك، و جعلوا كل نقطة تحول من مرحلة إلى أخرى ترتبط بيوم معين من شهر معين من السنة حتى تكون العملية صحيحة و تعطي نتائج أفضل على المستوى الزراعي، طبعا مع تغليف ذلك بمجموعة من المعتقدات ذات الطابع الأسطوري التي يبدو من خلال محتواها أنها تعود إلى الفترات القبل إسلامية.
          أما قولك بأن هذه المناسبة تحتفل بها حتى البوادي العربية  بنواحي فاس و يسمونها حاكوزة، فهذا أكبر خطأ ارتكبته فمنطقة فاس ليست عربية لمجرد أنها تتحدث بالدارجة، و حتى إن كانت بها عناصر من أصول عربية هلالية أو غيرها فثقافيا هي أمازيغية مغربية، بمعنى الاحتفال بحاكوزة لم تستقدمه معها العناصر العربية المهاجرة من المشرق، بل وجدته هنا في المغرب مند العصور الغابرة، و صارت تخلده مع مرور الزمن، كعادة شعبية كانت منتشرة سواء عن وعي بمغزاها أو عدم الوعي، و نفس الشيء ينطبق على بوعياد صاحب اليومية الشهيرة، الذي قلت أن كونه فاسي يعني أن هذه المناسبة لا ترتبط بالضرورة بالأمازيغ، فهذا عجب تتحدث عن المناطق المعربة في المغرب و كأنها مناطق عربية أصيلة، و هلا حدثتنا عن مناطق احتفال عرب الجزيرة العربية بحاكوزة أو أمغار.   
          فيما يتعلق بكلامك عن المؤرخين و الشخصيات البارزة في ذلك التاريخ القديم و التي قلت عنها أن البعض ينسبها إلى الأمازيغ باطلا، ألاحظ أنك لم تأتي بأي معطى تاريخي أو حتى حسب نظرك إلى من ينتسبون، ربما ينتسبون إلى الهنود الحمر، إلى من سينتسب في نظرك من ولد و ترعرع في شمال إفريقيا و لم يعرف عنه أنه من الشعوب الوافدة كالرومان مثلا؟ هل علينا في نظرك أن نبحث بكل الطرق و الوسائل عن أي كان و ننسبهم إليه، المهم أن لا ننسبهم إلى الأمازيغ؟ أهذا هو المقصود؟ أم أن المعيار هو اللغة التي استعملوها في الكتابة؟ بمعنى ما داموا استعملوا اللغة اللاتينية أو الإغريقية لأنهم درسوا في بلدان أجنبية أو درسوا تلك اللغات في مدن ليبية خلال فترات الاستعمار فلا يجوز اعتبارهم أمازيغ، أقول لك هذا الفهم لا يوجد إلا في عقلك و عقول أمثالك ممن كذبوا علينا طوال الوقت باعتبار أمثال ابن خلدون و ابن رشد و الشريف الإدريسي و غيرهم عربا لمجرد أنهم كتبوا باللغة العربية، و كذلك الملوك و السلاطين و الزعماء السياسيين أمثال ابن تاشفين و ابن تومرت و غيرهم.
          فيما يخص قولك " بل أكثر من ذلك أن تلك المعركة التي  جُعِلَتْ بداية لهذا التقويم المُخْتَلَقُ ، والتي خاضها الملك شوشانغ الليبي (الأمازيغي )، و التي هزم فيها الفراعنة ،و التي  وقعت سنة 950 قبل الميلاد، لم ترد في أي مصدر تاريخي بهذا موثقة بهذ التقويم على الاطلاق"، أراك و أنت ( المؤرخ ) المطلع على كل مصادر التاريخ، تتحدث عن معركة هزم فيها شيشونغ الفراعنة، فما المصدر الذي ذكر هذه المعركة أصلا سواء كان مؤرخا بالتقويم الهجري أو الكريكوري؟ أراك هنا سقطت في نفس الأخطاء التي يسقط فيها بعض الهواة من الأمازيغ نتيجة التسرع و التي تستغلها لكتابة مثل هذه الخربشات، فحسب معلوماتي المتواضعة فشيشونغ لم يصل إلى حكم مصر عن طريق معركة بل ظروف غامضة بدأت بتكاثر العناصر الليبية في مصر إما كمرتزقة في الجيش أو كأسرى كما يحتمل حسب البعض وجود هجرات بسبب فترات الجفاف في المناطق الليبية القريبة من مصر، فالنقوش المكتشفة من طرف أوجست ماريت في معبد سرابيوم في القرن التاسع عشر لم تشر إلى معركة بل تحدثت عن سلسلة من أنساب الليبين الذين عاشوا آنذك بمصر و المنتسبون إلى الجد بويو واوا فتارة تذكر أحد زعمائهم كزعيم المشواش العظيم و تارة تذكر آخر ككاهن للإلهة تانيت كما ذكرت أن أحدهم استعمل سلطة دينية في المجتمع المصري حيث كان يطالب من المسؤولين إقامة بعض الطقوس لأن الآلهة تطلب منه ذلك فيكون له ما يشاء و ذكرت بعضهم كملوك، أما كيفية وصولهم إلى السلطة ففيه اختلافات و نظريات كثيرة، في حين تتفق بعض النقوش مع ما ورد التوراة ( ملوك 14/25-28) بأن شيشنغ غزا فلسطين بجيش كبير من الليبيين و النوبيين و الكوشيين و غيرهم في عهد رحبعام بن سليمان و نهب كنوز الهيكل، و قد دمر القدس و سبا الناس من هناك كما غنم الكثير من الكنوز الذهبية كالأتراس و غيرها. فيما يتعلق بجعل التقويم الأمازيغي يبدأ من حدث وصول شيشونغ إلى الحكم في مصر مبني على اجتهاد فقط ذلك أن الباحثين في هذا المجال تبين لهم أن هذا التقويم الذي تعمل به كل مناطق الأمازيغ بطريقة دقيقة و مضبوطة كما أشرت يوجد في شمال إفريقيا منذ أزمنة قديمة، و يرتبط بالتنجيم والفلك البدائيين اللذان كان الأمازيغ من السباقين إليهما، فقد أشارت إلى ذلك الكثير من الكتابات القديمة خلافا لما يدعي مؤرخنا، ابتداءا من حديثهم عن أطلس ملك الليبيين الذي برع في علم الفلك و الذي أكرم هرقل بتعليمه مبادئ في هذا العلم، كما أشار الشاعر فرجيل إلى المغني المنشد أيوباس الذي علمه أطلس ذاته الغناء فكان يغني عن القمر و مسيره الى مستقره وعن الرجال ووحوش الفلاة وعن توابع النجوم وعن الدب الأكبر و الدب الأصغر و عن شمس الشتاء و سرعتها إلى الغروب في المحيط و عن ليالي الشتاء و طولها الممل، ولكن الأكثر وضوحا في الإشارة إلى التقويم هو ديودور الصقلي الذي أشار إلى أن الأطلسيين يعتقدون أن أورانوس هو أول من حكم بلادهم، وقد فتح كل البلاد المسكونة خاصة في الغرب والشمال، وكان يتأمل النجوم ويبشر بالأحداث التي ستجري في الكون، وعلم قومه حساب السنة تبعا لحركة الشمس، وحساب الشهور اعتمادا على حركة القمر، وعلمهم كذلك دورة فصول السنة، وهكذا فإن جهل الناس للنظام الأبدي للنجوم، وتأكدهم من صحة تنبؤات أورانوس بالمستقبل، كل ذلك جعلهم يتخذونه إلها.
           إذن فقد يخطئ الذين جعلوا حدث حكم شيشونق لمصر كبداية للتقويم الأمازيغي و لكن ذلك لا يعني أبدا أن هذا التقويم غير موجود أصلا، أو أنه تقويم وهمي كما تدعي لمجرد أنه طمسه أمثالك لمدة قرون أو جاهلون به و بما يتعلق به، كما يجب أن تعلم أن الجوهري في التقويم ليس فقط في نقطة بدايته و في الحدث الذي يخلده، فالتقويم الأمازيغي قد يعود إلى حدث آخر قبل الحدث المذكور أو بعده و لكن ما دام لا يبدو هناك حدث قد يضاهي الحدث المذكور جاز لنا اعتباره كبداية لهذا التقويم إلى أن يثبت العكس، إن ما هو مهم و جوهري في التقويم هو أنه قبل كل شيء تدبير الإنسان للزمن و تنظيمه و تنظيم حياته و نمط عيشه تبعا لتغيرات ذلك الزمن، خاصة ما يتعلق بالتغيرات الطبيعية و المناخية و ما يترتب عنها، فبالنسبة للتقويم الهجري مثلا نقطة بدايته التي هي هجرة الرسول إلى يثرب و لكن هذه النقطة لا تؤرخ لظهور التقويم القمري لأول مرة و أنه وضع خصيصا لتخليد هذا الحدث كما قد يعتقد البعض، بل هي فقط بداية التأريخ لحدث الهجرة وفق التقويم القمري الذي كان معمولا به من قبل في الجزيرة العربية و بعض مناطق الشرق الأوسط كالعراق وغيره والمرجح أنه يرتبط بعبادة الإله سين إله القمر التي كانت منتشرة في الكثير من مناطق الشرق الأوسط القديم. أو أن الذين يخلدون السنة الأمازيغية يؤسسون لهوية وهمية كما تدعي فالهوية الوهمية هي القائمة على إدماج هويات الآخرين و إذابتها و التنكر لها و الكذب على التاريخ لأغراض عنصرية فاشلة، فالكل سينكشف و بالتالي سيمسخ إلا الحقيقة فإنها تنكشف فتزداد عزة و مجدا، و تقول بدون خجل أنهم يبنون لمجد تاريخي وهمي بدون أبطال حقيقيين، لأنك تعتقد أنك لا زلت في الزمن الذي كان فيه الكل يصدق قرطقاتكم، هذا التاريخ موجود و ليس وهميا و أبطاله هم أمثال شيشونق و أدريكان و يارباس و ماسينيسا و يوبا و تاكفاريناس و يوسف بن تاشفين و ابن تومرت و غيرهم كثير انتهاءا بمحمد بن عبد الكريم و موحا أوحمو الزياني و غيرهم، فهؤلاء أمازيغ و تاريخهم تاريخ الأمازيغ، و الذين تحدثت عنهم لا يحاولون تغيير التاريخ عن مجراه بل يعيدونه إلى مجراه الحقيقي بعدما حاول المدلسون قرصنته و انتشاله من أهله الحقيقيين و نسبوه إلى غيرهم.              
         أخيرا أقول للمسمى محمد أقديم مخطئ من يظن أن كل جاهل فاشل لم يستطع أن يجد موطئ قدم بين إخوته بالكتابة عن القومية العربية و أمجاد العرب، أو عن نظرية المؤامرة المعروفة، لأن أقرانه سبقوه إلى ذلك كما أن تلك الكتابات لم تعد تساوي شيئا بعدما بدأت تنكشف للعيان ثغراتها وخرافاتها وأباطيلها، فيظن أن القضية الأمازيغية فرصة للظهور لمن يريد الكتابة فيها ويسبح فيها عكس التيار، فقط بقراءة بعض المقالات ومحاولة الظهور بمظهر المثقف أو المؤرخ، فقد حاول ذلك كثيرون من قبل فلم يستطيعوا الصمود، و كان مصيرهم مزبلة التاريخ إلا من تاب، لأن القارئ الأمازيغي اليوم لم يعد هو ذاك الذي يبلع ما يقدم له دون مضغه، بل هو قارئ يقرأ ما في السطور و ما خلفها، فمقالك كله بما فيه من خربشات نجح في شيء واحد وهو الكشف عن الدوافع التي دفعتك إلى كتابته و هو حقدك على كل ما هو أمازيغي نظرا للصحوة التي يعرفها الأمازيغ في هذه السنوات و قطعهم أشواط كبيرة في تصحيح الكثير من المغالطات، بعدما كان كل العالم ينظر إلى شمال إفريقيا باعتباره مغرب عربي دون نقاش، في حين أن اليوم الكل أدرك أن ذلك لا يختلف عن اعتبار الإسبان من الأشبان نسبة إلى بني شيبان و الرومان بلاد الرمان و البرتغال بلاد البرتقال و غير ذلك من الترهات التي ترى العالم كله تفرع من قرية في صحراء الجزيرة العربية، و هي أمور تعتبر من المضحكات. و لهذا فأنا قبل أن أنصحك بالمزيد من التكوين و التدقيق فيما يتعلق بهذا المجال أنصحك بزيارة طبيب نفساني أولا لأن حقدك لا يبدو لي عاديا بل هو حقد مرضي.


الأربعاء، 21 يناير 2015

حين حوكم " البربري " أمام باب الجنة.


حين حوكم " البربري " أمام باب الجنة


                                                                                  بقلم: فريد المساوي

         في بداية الثلاثينات حين كان الحديث الأكثر تداولا في المغرب من قبل النخبة المثقفة هو المتعلق بموضوع ظهير 16 ماي 1930 حول تنظيم المحاكم العرفية في المناطق ذات العادات و التقاليد الأمازيغية و الذي أطلق عليه ( الظهير البربري )، و الذي نعلم أنه ليس للأمازيغ يد فيه و لا في صياغته حتى ينسب إليهم أولا، ثم رغم أن هذا الظهير لم يأت بجديد ذات أهمية بل جاء لإقرار أمور كانت في المغرب سارية مند القدم دون أن تثير تحفظ أحد، ثم نعلم كيف استغلت الحركة ( الوطنية ) هذا الظهير لتعلن عن نفسها و تخرج إلى العلن و كيف استغلت المشاعر الدينية بالخروج للتنديد بالظهير من أبواب المساجد مرددة أشعار اللطيف.
        في هذه الأثناء و ما بعدها، و مع ذيع صوت الحركة في المجتمع و انتشار الصحافة و امتلاك ( الوطنيين ) للكثير من المنابر صار موضوع الظهير المذكور و التنديد به رمزا للوطنية، لكن المشكلة الكبرى ليست في التنديد بالظهير بل في رد الفعل الذي اختارته الحركة على هذا الظهير الذي لم يكن لأحد من المغاربة الجرأة للدفاع عنه، فقد كان رد الفعل هو التنكر و الإقصاء التام لكل ما هو أمازيغي، و ساد خطاب تمجيد العرق العربي و ثقافته  و تقديسه و إعلاء شأنه، وفي المقابل فإذا ما تم الحديث عن ( البربري )، فإما أن يكون جزء من العنصر العربي و خادم أو تابع له و إلا فهو يخدم أهداف الظهير البربري و بالتالي لا وطني و كافر من أهل جهنم.
       من بين الكتابات التي قرأتها في هذا المجال، مقالة طريفة نشرت في مجلة المغرب عدد 15 بتاريخ دجنبر 1933 تحت عنوان ( أبحث عن بربري )، مقالة صاغها كاتبها في قالب استثنائي فهي عبارة عن حكاية حلم رآه الكاتب في المنام حيث رأى كأن القيامة قامت ووجد الكاتب نفسه هناك أمام باب الجنة في المهمة نفسها التي كان يشغلها من قبل أي كصحفي يريد تغطية الأحداث في أسرع وقت ممكن ليبعث بها إلى مدير المجلة السيد محمد الصالح ميسة الذي طالما اهتم بالقضية ( البربرية ) لأن ما رآه في القيامة له علاقة بالموضوع.
      رأى الكاتب في حلمه ( رضوان ) الذي لم يوضح من يكون بالضبط، و لكن يبدو أنه أحد الملائكة، رآه واقفا أمام باب الجنة " يسبح لله و يقدسه بصوت يملأ الفضاء عظمة و إجلالا "، و الناس يستأذنونه بالدخول فيسألهم من يكونون أولا و بعد ذلك يأذن لهم أو يرفض، حيث جاءه رجل قال له: أنا مسلم فقال له رضوان: إن الدين عند الله الإسلام تفضل، و جاءه ثاني قال: أنا نصراني فقال له: ادخل بسلام إن الله يحب الذين يحبون ابن مريم عليه السلام ، ثم جاءه ثالث و قال: أنا يهودي فقال له: أنت من أبناء موسى كليم الله تفضل، هنا تحدث الكاتب عن الصهيونية حيث قال ربما رضوان لم تصله الأخبار الأخيرة ليعلم أنه ليس كل اليهود يستحقون الجنة. و الغريب أن هذه الجنة التي رآها كاتبنا في حلمه فيها متسع للجميع إلا البربري، فحين أراد رضوان إغلاق الباب بينما رجل رابع أراد أن يهم بالدخول قال له: من أنت، فأجابه: أنا بربري، أجابه رضوان: " بربري... كلمة لا أعرفها و لا أجد فيها شيئا من لسان الجزيرة ، اذهب عني فالناس هنا لا يتكلمون إلا بالعربية و هي اللغة الرسمية بهاته الدار"، و بعد محاولات الرجل إقناعه بالإذن له بالدخول باعتباره أيضا من أبناء آدم، كتب رضوان كلمة "بربري" على ورقة بردي بقلم من ذهب و قال له: " انتظر هنا حتى أذهب إلى آدم و أسأله عن رهطك "، و بعد قليل عاد و قال للرجل: " إن آدم عليه السلام لا يعرف له نسلا يسمى بربر".
        و مع محاولات الرجل الدفاع عن نفسه، اجتمع حوله جمهور كبير عرف منهم الكاتب حماد الراوية و الشاعر الأندلسي خلف بن فرج السميرس، و الفرزدق و أبا العتاهية وعمرو بن أبي ربيعة وجماعة من مؤرخي العرب و النسابين كالطبري و الكلبي و المسعودي و البكري و غيرهم كثيرون. يبدو أن الشخصيات التي اختارها كاتبنا ليراها في حلمه المزعوم هي الشخصيات التاريخية التي عرفت بالتطرق لموضوع ( البربر ) أو كانت لهم مواقف منهم بطريقة أو بأخرى، أو من النسابين المعروفين بالإلمام بأنساب البشر و فروعهم، و كان الهدف من احتشادهم هو الإدلاء بشهاداتهم و ما بحوزتهم من أساطير الأولين حول رهط البربر و أصولهم فيما يشبه ( محاكمة )، فإن كانوا يرتبطون بالمشرق، حسب ما نستشفه من المقالة، فهم من أهل الجنة و بالتالي سيسمح للرجل بالدخول، و إن لم تكن لهم أية صلة بمن ( يملكون مفاتيح الجنة ) فلن يدخلها هذا البربري.     
      بدأ الشاعر الأندلسي السميرس بأبياته المعروفة التي يتصور فيها آدم يطلق حواء بسبب ما قيل بأن البربر ينتسبون إليه، حيث قال:
رأيت آدم في نومي فقلت لــه.................أبـــا البرية إن الناس قد حكمــوا
أن البرابر نسل منك قال إذن.................حواء طالق إن كان الذي زعموا
 فرد عليه صاحب كتاب " الجمان في أخبار الزمان ": لا لا إن البربر من أبناء آدم خلافا لما زعمت، و هم من بني حام و قد تنازعوا مع بني سام فانتصر بني سام عليهم و انهزم بنو حام إلى بلاد المغرب و تناسلوا فيه و اتصلت شعوبهم من أرض مصر إلى آخر المغرب و تخوم السودان و مع ذلك بقي عدد منهم في فلسطين حتى زمن داود... إلى أن يقول: حتى ضاقت منهم تلك البلاد و امتلأت بهم الجبال و الكهوف و الرمال و تدين كل منهم بما شاء من الأديان الفاسدة ... إلى أن جاء الإسلام فأسلموا أجمعين.. قاطعه الطبري: " إن البرابر أخلاط من كنعان و العماليق و غيرهم فلما قتل داود جالوت تفرقوا في البلدان "...
       هنا انضم البعض إلى رأي هذا و البعض الآخر إلى رأي ذاك، ووقع الخلاف و تعالت الأصوات... وفي هذه اللحظة كانت الزبانية مارة أمامهم تسوق جماعة من الناس إلى جهنم منهم ك... و ف... و غيرهم كثير مكبلين بالأغلال و على أكتافهم الصلبان، و لما سمعوا حوار تلك الجماعة بدأوا يصيحون بصوت واحد: " كذبتم كذبتم البربر إخوة الكول ( الغاليين ) جاءوا إلى إفريقيا من أوربا و هم أقرب إلينا صورة، و هنا أراد الكاتب أن يوضح أن البربري الذي يسلم بما قال به الأوربيون بأن الأمازيغ قد ترتبط سلالتهم بالأوربيين أو لا ينتمون إلى الأصول المشرقية هم الذين لا ينتسبون إلى آدم و لا يعرفهم و بالتالي هم لا يمكن أن يدخلون الجنة، و لكنه يطمئن القراء في الأخير بأن هؤلاء البربر غير موجودين، بل هم مجرد إنتاج الخيال الأوربي، بل إن البربري الموجود هو المقر بالانتساب إلى المشرق و بالتالي إلى العروبة، حسب منطق كاتبنا، و الراضي بإقبار هويته التي لا تعني شيئا و ليست ذات قيمة من أجل الذوبان في الوجود العربي الذي سيبدو كبيرا من الخليج إلى المحيط، و هذا البربري سيعترف به آدم و يقبل به الملك رضوان و سيدخل الجنة، حيث قال الكاتب في الأخير: " أعتقد أن البربري الذي لم أجده أنا في الآخرة التي هي دار الحق، لن تجدوه أنتم في هذه الدار".           
       وهذا ما حدث فعلا أمام باب الجنة في حلم كاتبنا المبارك " فخرج الناس لمقابلة البربري، و دوي الفضاء بالحمد و التسبيح، و قصفت المدافع، و علت زغردة الحور على الأسوار...". هذا النوع من الكتابات كانت تهدف بالأساس إلى خلق عقدة نقص لدى الشباب الذين ترعرعوا ليجدوا نفسهم في مناطق تتحدث بالأمازيغية، لتجعلهم ينظرون إلى هويتهم الثقافية على أساس أنها لا تعني شيئا إلا إذا جعلت تابعة للعربية ( لغة الجنة ) أو اعتبارها فرع مشوه منها، و الإقرار بالأصول المشرقية دون هوادة، ذلك أن المعروف أن مسألة أصول الأمازيغ ترد فيها ثلاث نظريات أساسية المشرقية و الأوربية و المحلية الشمال إفريقية، لكن هذه النظريات، خاصة الأوربية و المشرقية فيهما معا الكثير من المبالغة و التأويلات المغرضة، لاستغلالها سياسيا من طرف ذوي النزعات الاحتوائية، و كما نرى هنا فصاحبنا وصل إلى حد تصور جنة لا يمكن أن يلجها إلا من أقر بالارتباط به عرقيا و ثقافيا و حضاريا و بالتالي الاتفاق معه في مشروعه السياسي و الحضاري، نظرا لارتباط المشروع الفكري للحركة ( الوطنية ) المغربية بالفكر البعثي القومي العربي ارتباطا وثيقا، و ارتكاز نشاطها على أمور من بينها التعريب بشتى الوسائل، حتى لو اقتضى الأمر إعادة إنتاج أساطير قديمة أكل الدهر عليها و شرب و ربطها بالدين بطريقة في منتهى الخبث و الوقاحة.

   

الثلاثاء، 30 ديسمبر 2014

المخزن... لماذا أطلق على الجهاز الحاكم في المغرب

المخزن... لماذا أطلق على الجهاز الحاكم في المغرب

بقلم: فريد المساوي
       يعتبر المغرب البلد الوحيد في العالم الذي أطلق فيه اسم المخزن على المؤسسة الحاكمة ، أو الجهاز المركزي للدولة ، و كثيرا ما دارت نقاشات و كتابات حول الموضوع كظاهرة انفرد بها هذا البلد ، و عن أصل التسمية و سبب إطلاقها ، و لهذا بدا لي أن أدلي بدلوي في هذا النقاش دون زعم أنني أقدم جوابا كافيا أو تفسيرا شاملا و نهائيا للظاهرة . و بعيدا عن الخوض في بنيات المخزن أو النظام المخزني أو الدولة المخزنية لأنها أمور قد تؤدي بي إلى الانزلاق إلى خارج دائرة الاختصاص ، فسأحاول أن أوضح تصوري الخاص لظاهرة المخزن كمفهوم فقط و كيف و لماذا أطلقت على الجهاز الحاكم بالمغرب .
        حين نبحث عن المعنى اللغوي لمفهوم المخزن فإن أغلب المعاجم و القواميس ترجعه إلى الجدر الثلاثي خزن ، أي أن المخزن هو اسم مكان مخصص لخزن الأشياء من غلال و غيرها و لاحظت أن معجم المعاني أضاف عبارة " حكم المخزن " و فسرها بأنها مصطلح بالمغرب كان يطلق قديما على الأجهزة الإدارية للملك ، و في مجال السياسة و إدارة شؤون الدولة نجد أن في الدولة الإسلامية مند عهد النبوة و الخلفاء ( أمين المخزن ) (1) أو ( خازن بيت المال ) و لكن المفهوم كان يشمل جزء من الجهاز الإداري و ليس الكل ، و في الأندلس على العهد الأموي كانت هناك مؤسسة عليا أطلق عليها ( خازن المال ) و أخرى ( خازن السلاح ) (2) مع العلم أنه كان هناك فرق بين خزانة المال كمؤسسة لتدبير مالية الدولة و بيت مال المسلمين التي اقتصرت على أموال الأحباس و الأوقاف ، و مع الدولة العثمانية سنلاحظ أيضا وجود هاتين المؤسستين أو المخزنين فخازن المال تمثل في مؤسسة ( الدفتردار ) و خازن السلاح تمثل في ( مشير الطوبخانة ) ، و لكن هذه المؤسسات لم تكن تمثل كل الجهاز الحاكم في جميع الأحوال بل جزء منه .
        بالنسبة للمغرب فالملاحظ أن كلمة المخزن استعملت مند عهد الموحدين حيث ذكر البيدق (3) حين تحدث عن الغزوة الثامنة لابن تومرت و التي كانت إلى تزكورت حيث استحوذ على بعض العبيد فدفعهم إلى أتباعه و قال لهم خذوهم فهؤلاء " عبيد المخزن " ، ليصير في الفترات اللاحقة تدريجيا المصطلح الأكثر استعمالا حين الحديث عن السلطة المركزية و أجهزتها التنفيذية ( المخازنية ) .
       و من التعاريف التي أعطيت للمخزن في عصرنا هذا ما قدمه الأستاذ إدريس بوهليلة (4) من أنه " من فعل خزن بمعنى حفظ و ادخر ، و لما كان المال و السلاح و الأقوات مما يجب حفظه و ادخاره ...فإن من تمكن من الاستحواذ على المخزن بمعناه الاقتصادي و المالي و العسكري استحوذ على مصادر القوة " و كان له النفوذ و التحكم في الرقاب ، إذن هنا يبدو واضحا أن المخزن ليس فقط إطلاق اسم الجزء على الكل بل هو جمع فعلي للمفهومين المشار إليهما أي مخزن المال و مخزن السلاح ( القوة ) و اللذان يشكلان معا مصدر السيادة و الهيمنة .
       و إذا ما نظرنا إلى المجتمع المغربي التقليدي فإننا سنجد أنه كان لكل قبيلة مخزن يستعمل لخزن الفائض من الأقوات و الغلال و حفظها لسنوات القحط ، و كذا لحفظ ما تملكه القبيلة من السلاح لاستعماله في الدفاع متى دعت الضرورة إلى ذلك ، و في حالات كثيرة يكون هناك مخزن لمجموعة أو اتحادية قبلية ، و من البديهي أن يكون لهذا المخزن أي مستودع القبيلة مكان خاص به كبناء محصن و محروس بشكل دائم و كذلك هيئة تسيره و تضبط مداخيله و ما يوزع منه ، و قد أطلق عليه أسماء مختلفة منها ( أكادير ) " الذي يطلق على الحائط المدعم للفلاحة المجعولة طبقات بجنب الجبل و كذلك يطلق على القلعة و القصبة و بالأخص على المستودع المحصن الذي يخزن فيه أهل القرية أو القبيلة منتجاتهم و أمتعتهم " (5) و نفس المفهوم تقابله في الريف لفظة ( أجدير ) و في المعنيين معا أي الحائط الذي يحفظ المدرجات الزراعية من الانجراف و كذلك البناء المحصن الذي يستعمل كمستودع جماعي ، فالمعلوم أنه في منطقة أجدير بالريف كانت القلعة المنيعة ( ثمزماث ) أو المزمة التي كانت مخزن المنطقة في أزمنة ماضية ، كما استعمل أيضا اسم إغرم في مناطق أخرى في نفس المعنى و كذلك (ميدلت ) أو تميدلت و الإسم موجود في ليبيا بصيغة الجمع ( تيمدال ) للدلالة على المخازن التي يخزن فيها أمازيغ جبل نفوسة الحبوب و الذخائر (6) .
       و من هذا المنطلق فالمخزن المركزي في شكله التقليدي ـ أي قبل الاستعمار و دخول بعض المؤسسات الحديثة ـ ما هو إلا أحد المخازن القبلية المذكورة سيطر و هيمن على المخازن الأخرى و أخضعها وفق المبدأ الخلدوني في تكون الدولة من العصبية الأقوى و الأقدر على الهيمنة ، و بالتالي إضعاف باقي المخازن بفرض المغارم بالنسبة للقبائل الموالية و النهب عن طريق الحركات للقبائل السائبة لتجريدها كليا من وسائل القوة من مال و سلاح ، لأن هذا ما يمنح القوة للمخزن المركزي أولا بجمع المال و السلاح و احتكاره ثم بإضعاف العصبيات الأخرى و تكريس هيبة المركز و قوته و تفوقه . و من هنا يتبين أن المخزن كنظام حكم هو نتاج شمال إفريقي و مغربي على وجه الخصوص في شكله و في جوهره أفرزته التطورات التاريخية للنظم و التحالفات القبلية و التنافس فيما بينها حول الهيمنة و ضمان الاستمرارية في حين استورد اسمه من هياكل في مؤسسات الإدارة و التسيير في الدول الإسلامية الأخرى كما استعمل الدين في التأسيس لشرعية الحكم و السيادة ( المخزن الشريف ) . 
الهوامش :
1 ـ قطب إبراهيم محمد، النظم المالية في الإسلام، ط 4، الهيئة المصرية العامة للكتاب 1996، ص 20.
2 ـ شكيب أرسلان ، مأخذ لفظة مخزن و إطلاقها على معنى الحكومة ، مجلة المغرب الجديد ، ع 8 ، تطوان ، يناير 1936 ، ص ص 15ـ16 .
3 ـ أبو بكر بن على الصنهاجي المكنى بالبيدق، أخبار المهدي بن تومرت و بداية دولة الموحدين، دار المنصور للطباعة و الوراقة، الرباط 1971، ص 83.
4 ـ إدريس بوهليلة، تقييم الوثائق المخزنية حول هجرة الجزائريين إلى تطوان سنة 1830، ندوة تطوان و التوثيق، سلسلة أعمال الندوات 13، نشر كلية الآداب و العلوم الإنسانية بتطوان، 2007، ص 152.
5 ـ لغويات، مجلة المغرب، عدد شهر دجنبر 1936، ص 21.
6 ـ نفسه.              
                   



الثلاثاء، 16 ديسمبر 2014

صفحات من تاريخ الصحافة بشمال المغرب ، مقدمة حول تجربة جريدة الحرية بتطوان




     بقلم : فريد المساوي
مدخل :
      تعتبر الصحافة المكتوبة المتوفرة في الأرشيفات من أهم المصادر التاريخية التي لا يمكن الاستغناء عنها بالنسبة للباحث في التاريخ , ذلك أن الصحافة في الغالب تهتم بشتى قضايا و أحداث المجتمع , و لو أنها في الغالب تكون محكومة بخلفية سياسية , إلا أن الباحث لا يغفل هذه الأمور فيقرأ الخطاب الصحفي في إطاره العام و يجب أن يفهم بالضرورة الجهة أو الهيئة التي أصدرت الصحيفة التي يتعامل معها حتى يتمكن من فهم أفضل لكل خطاب احتوته , و قد عرف شمال المغرب الصحافة في الحقبة المعاصرة و خصوصا الفترة الخليفية التي عرفت تنوعا نسبيا في هذا المجال , و كانت من بين الجرائد التي صدرت بتطوان خلال الفترة الخليفية جريدة الحرية التي مثلت لسان حزب الإصلاح الوطني , و ما دام هذا الحزب قد لعب أدوارا سياسية مهمة خلال الفترة الخليفية , فلا بد أن تكون لجريدته الرسمية أهمية بالغة بالنسبة للباحث في تاريخ المرحلة . على هذا الأساس كان اختياري لدراسة جريدة الحرية في هذا المقال المتواضع , و الذي قسمته إلى محاور مختلفة لإحاطة الموضوع بشتى جوانبه و لأبين خطاب الجريدة حول مختلف الجهات مثل السلطة المغربية التي يمثلها السلطان و خليفته بالمنطقة الخليفية ثم سلطات الحماية الاسبانية و كذا الحماية الفرنسية و الحركة الوطنية و المجتمع المغربي .
1 ـ جريدة الحرية : تعريف عام
       تعتبر جريدة الحرية التي صدر عددها الأول بتطوان يوم الأحد فاتح محرم عام 1356 موافق 14 مارس 1937 صوت الوطنيين بالمنطقة الخليفية بامتياز , فهي لسان حال حزب الإصلاح الوطني مواكبة له بتغطياتها لأنشطته و نضالاته و نشرها لعرائضه و خطب زعماءه , و قد خصصت عمودا عنونته ب " أنشطة حزب الإصلاح الوطني "  و الذي كان مخصصا لشؤون الحزب سواء في تطوان أو في الفروع , و كان يدير الجريدة خلال السنوات الأولى لصدورها الأستاذ أحمد غيلان و كانت إدارتها بعنوان رقم 23 شارع المصلى القديمة , أما المراسلات فقد كانت توجه لها باسم لجنة الدعاية و النشر صندوق البريد 134 أما نشر الإعلانات فكان يتفق بشأنها مع الإدارة 1 , و كان ثمن النسخة منها سنة 1937 مقدر ب 20 سنتيم اسبانية و 40 فرنسية , أما الاشتراكات و التي كانت الجريدة تشجع عليها باعتبارها دعما للجريدة " لسان الأمة لا تستمد المعونة إلا من الأمة , فيجب على الأمة تشجيعها بالاشتراك " 2 فقد كانت لمدة سنة ب 10 بسيطات اسبانية و 20 فرنكا للمغرب الأقصى و الأوسط و الأدنى و لمدة نصف السنة بست بسيطات اسبانية أو 12 فرنكا فرنسيا في البلدان المذكورة , أما في باقي الأقطار فكانت لمدة سنة ب 15 بسيطة اسبانية أو 30 فرنك فرنسي و نصف السنة ب 9 بسيطات اسبانية أو 18 فرنك فرنسي . و كانت تصدر أسبوعيا يوم كل أحد لكن في سنتها الثانية تحول الصدور إلى يوم الخميس . لقد اعتمدت جريدة " الحرية " بالمنطقة الجنوبية السيد المهدي الزبيدي وكيلا عاما يقوم بأعمالها و توجه إليه الاشتراكات و المستحقات المالية و كان عنوانه بمكتبة الأطلس شارع الجزاء رقم 169 الرمز البريدي 1548 الرباط 3 . وقع إقبال كبير على الجريدة أثناء ظهورها لأول مرة لدرجة أن العدد الأول نفذ رغم العدد الكبير من النسخ التي طبعت منه كما تم الإعلان عن ذلك في العدد الثاني.
       كانت جريدة الحرية تضع عناوين عامة لأعمدتها لتصنيف مقالاتها حسب المجالات التي تتعلق بها و يكون عنوانا جامعا و ثابتا و إن تغير المحتوى من عدد لآخر , حيث نجد الصفحة الأولى أو الافتتاحية تحت عنوان حديث الأسبوع , و من عناوين أعمدتها شؤون محلية , أخبار حزب الإصلاح الوطني , صور الأسبوع , وصية الأسبوع ... و تميز خطابها عامة بالجرأة و الالتزام بالقضية الوطنية و قضايا الأمة المغربية و الحث على التعلم و النهضة الثقافية و الملاحظ أنها كانت توجه الكثير من النقد للسياسة الفرنسية بينما كانت كتاباتها عن الإدارة في الشمال تتميز ببعض الليونة و هذا ما سنتطرق له بتفصيل في المحاور اللاحقة .

2 ـ جريدة الحرية و الحركة الوطنية بالشمال :
       ما دامت جريدة  الحرية كانت تمثل لسان حال حزب الإصلاح الوطني كما أشرنا إلى ذلك سابقا فقد كان من الطبيعي أن تواكب أنشطته و أخباره بشكل مستمر , فكل عدد منها إلا و نجد فيه كتابات حول الحزب , ففي العدد الثاني منها بتاريخ 8 محرم 1356 الموافق 21 مارس 1937 نشرت الجريدة مقالا بعنوان " الوطنية و سلطة الحماية " ملخصه أن الوطنية هو الشعور المقدس بقضية الوطن ظهرت بفضل طبقة من المثقفين التواقين للإصلاح لكن ذلك اصطدم بوجود بعض ذوي المصالح الخاصة و الذين لهم تخوف من الوطنية , و بالتالي ظهر تبادل المعارضة بين المتحفزين للتغيير و السلطة المحافظة , و ما أن يظهر لدى السلطات الاسبانية ميل إلى التفاهم مع الوطنيين حتى ينقلب ذلك إلى ضده فجأة , لينتقل الكاتب إلى تأكيد أن مصلحة اسبانيا في مساعدة المغرب و خسارتها في تركه عما هو عليه , و أشار إلى أن اسبانيا تساهلت في كثير من الحريات و المكتسبات للمغاربة لكن المهم هو ما يضمن استمرار التعاون , و أن مصلحة اسبانيا تكمن في كسب صداقة المسلمين , و النية متوفرة لدى الوطنيين و الأمل أن تتوفر لدى الإسبان أيضا من أجل التعاون 4 و في نفس العدد في الصفحة الثالثة أخبار عن حزب الإصلاح الوطني منها أن اللجنة التنفيذية للحزب أضافت جلسة استثنائية لكثرة العمل بسبب انكبابها على دراسة نظام الانتخابات , و من الأخبار أيضا إحداث لجنة الدعوة و الإرشاد استكمالا لتنفيذ مشروع الحزب حول إصلاح الأمة , و منها أن لجنة المعارف قررت تنظيم محاربة الأمية في فروع الحزب و ذلك باستدعاء أساتذة لإلقاء مجموعة من المحاضرات 5 . و في العدد الرابع الذي صدر بتاريخ الأحد 22 محرم 1356 الموافق 4 أبريل 1937 نشرت الجريدة بالصفحة الأولى بيان اللجنة التنفيذية لحزب الإصلاح الوطني حول استقالة عبد الخالق الطريس من وزارة الأحباس  6 , و البيان يوضح أسباب استقالة الأستاذ الطريس التي ترجع إلى وجود مجموعة من المشاكل منها تعيين الإدارة لأعضاء المجلس الأعلى للأحباس دون أخذ رأيه كوزير , ثم عزل عدلين من نضارة تطوان بسبب خلاف لهما مع الناضر دون موجب قانوني أو مهني دون استشارته أيضا , ثم كان هناك مشكل آخر يتعلق باعتراض الحكومة على تعيين الغالي الطود ككاتب أول بنضارة القصر الكبير و طلبت عزله بعد تعيينه, و في العدد السادس 7 كتبت الجريدة عن سياسة التفاهم بين الحركة الوطنية و الوطنية الاسبانية مشيرة الى أن الحركة الوطنية المغربية حركة سلمية غير ثورية و لا مسلحة , و لما رأت من الوطنية الاسبانية إظهار العطف و تقدير المصالح المغربية و الرغبة في إنهاض المغرب و خصوصا عند ظهور بعض بوادر الوفاء , قابل الوطنيين المغاربة ذلك بالرضا ولكن فجأة تغير الوضع الذي تجلى على شتى المستويات , فعمت لدى المغاربة خيبة الأمل , لكن يمكن للسلطات الاسبانية تدارك الأمر و إعادة الرضا عن طريق سياسة التفاهم مع المغاربة بارضاءهم في حقوقهم , و في عمود أخبار حزب الإصلاح الوطني بعدد يوم 27 صفر عام 1356 كتبت الجريدة عن قرار اللجنة التنفيذية للحزب القيام بواجب الدعاية بمناسبة عيد المولد النبوي و ذلك بحفلات خطابية بمشاركة جمعية الطالب المغربي و طلبة المعهد الحر  8 مع القيام باستعراض لفرق الفتيان , و تحت هذه المقالة نشرت مقالة صغيرة حول تدريب الحزب فرق الفتيان تدريبا عسكريا و نجاحه في ذلك , و في آخر العمود نشر نشيد الحزب من نظم الأستاذ الطنجي و مطلعه :
                 فتيان قومـــي..............هيا بعــــزم
                         نمضي فالنصر بين أيدينا
                نسعى بحـزم...............نرقى بعلــم
                      آمال الاستقلال تحدونـا
و في عدد 16 مايو الذي وافق 5 ربيع الأول عام 1356 كتبت الجريدة عن نظرة الوطنيون في الشمال تجاه ذكرى الظهير البربري من تشهير و انتقاد للسياسة الفرنسية , كما نشرت مقال حول مطالب الشعب المتعلقة بالسياسة البربرية ومنها إلغاء هذه السياسة و توحيد نظام المحاكم و التعليم المغربيين و منع المبشرين بالمغرب و عدم دعمهم من الأموال المغربية 9 و في نفس العدد بالصفحة الثالثة و ضمن عمود أخبار الحزب كتبت الجريدة عن سفر عضوي اللجنة التنفيذية التهامي الوزاني و محمد بن مصطفى أفيلال إلى فرعي العرائش و القصر الكبير لتفقد أحوالهما حاملين معهم العديد من تعاريف الأعضاء , و في العدد الموالي كتبت الجريدة 10 تفاصيل التظاهرات التي نظمها الحزب رفضا للسياسة البربرية و ذلك في كل من تطوان و العرائش و القصر الكبير . و في عمود أخبار الحزب في عدد يوم 6 يونيو من نفس السنة 11 كتبت عن اجتماع اللجنة التنفيذية اجتماعا عاديا و تنظيمها للحزب حيث عينت عبد الخالق الطريس رئيسا و هنئت الوطنيين بذلك , و في العدد نفسه نقرأ عن نشاط نظمه الحزب أهدته فيه جريدة " الريف " العلمين الوطني و الجهادي و تمت فيه ترقية بعض الفتيان إلى رتبة منظم ثاني , و بنفس الصفحة إشارة إلى سفر محمد بن محمد الخطيب مساعد الكاتب في اللجنة الفرعية بتطوان لاستكمال الدراسة بالقاهرة موفدا من طرف الحكومة و تعويضه بمحمد المسفيوي . و في العدد الرابع عشر 12 نقرأ بالصفحة الأولى تغطية لحفل كبير أقامه الحزب بمسرح اسبنيول بتاريخ الجمعة 9 ربيع الثاني عام 1356 مع إشارة إلى تساهل الحكومة في قضية بث الخطب عبر الراديو , هذا و قد نشرت الجريدة الكلمة التي ألقاها عبد الخالق الطريس في ذاك الحفل حيث حث الناس على العمل الوطني , و أشار إلى أهداف اللقاء و منها البرهنة أن الحزب قيد الحياة و أن الاجتماع برهنة على إيمان ثابت و استعداد كامل للعمل الوطني و رغبة في التضحية حيث قال : " الكلام هواء و إلى الهواء يسير و أن العمل عمل في الأرض يدوم , و قيمة العمل على قدر ما يفيد المجموع 13 " . و في العدد الأول من السنة الثانية 14 من صدور الجريدة نشرت الجريدة مقالا حول تضامن الحركة الوطنية الشمالية مع الجنوبية في برنامج الاصلاحات المقدم ضمن " مطالب الشعب المغربي" حيث اجتمعت اللجنة التنفيذية يوم الجمعة فاتح محرم 1357 للمصادقة على مطالب الشعب تحضيرا لتقديمها للخليفة السلطاني ثم للمقيم العام خوان بيكبيدير و كلاهما استقبل الوطنيين بالترحيب و تقديم وعود على التعاون من أجل تحقيق تلك المطالب , و في نفس العدد نشرت رسائل التأييد 15 في تقديم المطالب و التي كانت من كل من لجنة العرائش الفرعية و فتيان الحزب بالعرائش و أخرى من مجموعة من الفلاحين بالعرائش .
3 ـ جريدة الحرية و الإدارة بالمنطقة الخليفية :
أ ـ الخليفة السلطاني:
      إن علاقة جريدة الحرية بالإدارة عامة و بالخليفة السلطاني خاصة هي علاقة هذا الأخير بالوطنيين و خاصة حزب الإصلاح الوطني لأن الجريدة كانت تعتبر لسانا لهذا كما أشرنا إلى ذلك سابقا , إذ كان ما ينشر في الجريدة هي قناعات و مواقف النخبة الثقافية و السياسية المنضوية تحت لواء الحزب و العاملة داخل هياكله و كانت مبادئ هؤلاء تتلخص في الإيمان العميق بوحدة المغرب و بالتالي التفاعل مع الأحداث التي عرفها سواء في الشمال أو الجنوب و يبدو ذلك جليا من خلال تضامن الجريدة مع كتلة العمل الوطني على اثر المنع الذي تعرضت له سنة1937، 16 و كذا اجتماعات اللجنة التنفيذية للحزب أثناء حدوث حادثة كبرى بالجنوب كالذي انعقد أواسط محرم عام 1356 و الذي غطته الجريدة إذ كتبت " فالوطنية المغربية المتضامنة تهتم بالجنوب كما تهتم بالشمال لأن المغرب وحدة لا تتجزأ و إذا تألم جزء منه سرى الألم إلى سائر الجسد " 17 , هذا و كانت قناعة الوطنيين الراسخة هي شرعية الأسرة العلوية التي يمثلها السلطان الذي يعتبر رئيس المغرب الديني و السياسي و الذي ينوب عنه في الشمال , الذي اقتضت الظروف جعله تحت الحماية الاسبانية هو الخليفة الشرعي الذي تعتبر له سائر حقوق التمثيل, و كانت الوطنية تصرح بأنها تحارب كل أشكال الحكم المباشر من الإدارة الاسبانية 18 و أي شكل يمس بسيادة السلطان و نفوذه أو خليفته و تمثيليته بالمنطقة . و كانت الحركة الوطنية تقيم وزنا لخليفة السلطان بالمنطقة الخليفية و تعتز به اعتزازا كبيرا ذلك أن مطالبها للإدارة كانت ترفعها للخليفة قبل رفعها للسلطات الاسبانية مثلما حدث أثناء تقديم "مطالب الشعب المغربي " بعد تقديمها في الجنوب من طرف كتلة العمل الوطني مع تغيير طفيف تأكيدا على تبني هذه المطالب و شموليتها و كونها تعني المغاربة قاطبة سواء في الشمال أو الجنوب , حيث ألقى عبد الخالق الطريس كلمة بين يدي الخليفة السلطاني 19 و عبر عن استعداد المغاربة للتعاون مع الحكومة لخدمة الصالح العام , كما هنأ الخليفة على سفر ابنه لاستكمال الدراسة في مصر , و هنأه على سلامة السلطان و شفاءه من مرضه , و برأس السنة الهجرية و شكره على اتخاذه دينا رسميا للدولة , ثم قدم للخليفة نسخة من تلك المطالب التي تسلمها الخليفة بسرور و ألقى الخليفة بدوره كلمة عبر فيها عن سروره بتلقي تلك المطالب التي يتقبلها و سيعمل على دراستها الدراسة اللازمة لأجل العمل على تحقيقها قائلا أنه يعلم ولا شك أنها تشتمل على إصلاحات تمس حاجة البلاد و هو أحد أفراد الأسرة العلوية التي عرفت مند تربعها على عرش المغرب بإخلاصها و تضحيتها في سبيل الوطن .
ب ـ الإدارة الاسبانية :
      كان خطاب جريدة الحرية تجاه السلطات الاسبانية تطبعه الليونة و هدوء الطباع عامة انسجاما مع توجه الوطنيين بالمنطقة الخليفية و خاصة حزب الإصلاح الوطني حيث يرى الكتاب الذين تناولوا الموضوع أنهم كانوا على درجة من التوافق مع الإدارة الاسبانية , فهذا عبد المجيد بنجلون يقول : " شاهدنا بالمنطقة الشمالية آنذاك , تلاقي وجهات النظر , على الأقل ظاهريا بين المقيم العام الاسباني و حزب الإصلاح الوطني " 20  أما محمد العربي المساري إلى أن وثيقة كشف عليها عبد العزيز خلوق التمسماني في مركز الوثائق الدبلوماسية الفرنسية في ننط , هي رسالة من رئيس المخابرات الاسباني مالدوناضو إلى إدارة المغرب و المستعمرات في مدريد ورد فيها أن نيابة الشؤون الأهلية كانت مهتمة بالانفتاح على الوطنيين , و أن بيكبيدير الذي تولى فيما بعد منصب المندوب السامي الاسباني لحكومة فرانكو في تطوان ثم وزارة الخارجية في مدريد , كان يتفاوض مع عبد الخالق الطريس الذي كان يشترط مقابل التزامه الحياد في الحرب ضد الجمهورية الاسبانية أن يأذن له بتأسيس حزب الإصلاح الوطني 21 أما ريزيت فهو يرى أن الحزب الذي تعود جذور تأسيسه إلى الحركة الوطنية الأرستقراطية التي تزعمها عبد السلام بنونة و التي تحولت إلى حزب سياسي على يد عبد الخالق الطريس عرف عدة تقلبات نتيجة لمواقف السلطات الاسبانية المتغيرة منه 22  . على كل حال فخطاب الجريدة يبدو لينا ويميل إلى التفاهم مع الإدارة الاسبانية و يدعوها إلى التعاون , إذ نجد في العدد الثاني منها أن السلطة الاسبانية  كثيرا ما تميل إلى التفاهم مع الوطنيين لكن أحيانا يحدث العكس فجأة في حالات لا تعتبرها الجريدة إلا شخصية ينتجها بعض من ذوي المصالح و الذين لهم تخوفات من الوطنية , مؤكدة أن اسبانيا تكمن مصلحتها في مساعدة المغرب و خسارتها في تركه عما هو عليه , ثم تضيف , و الواقع أن اسبانيا تساهلت في كثير من الحريات و المكتسبات , لكن المهم هو ما يضمن استمرار التعاون , و مصلحة اسبانيا كسب صداقة المسلمين , مؤكدة أن النية في التعاون متوفرة لدى الوطنيين و الأمل أن تظهر لدى السلطات الاسبانية أيضا 23 , و في العدد  السادس نشرت الجريدة مقال تحت عنوان 24 "سياسة التفاهم " ملخصه أن الحركة الوطنية حركة سلمية لا ثورية و لا مسلحة , و لما رأت من الوطنية الاسبانية إظهار العطف و التقدير للمصالح المغربية , و رغبة في إنهاض المغرب , خصوصا عند ظهور بعض بوادر الوفاء , فقد قابل المغاربة ذلك بالرضا , لكن فجأة تغير الوضع إلى عكسه و تجلى ذلك في شتى المستويات , فعمت خيبة الأمل , لكن تؤكد الجريدة في هذا المقال الموقع باسم لجنة الدعاية و النشر , أن السلطات الاسبانية لازال يمكنها تدارك الأمر و إعادة الرضا عن طريق التفاهم مع المغاربة عن طريق إرضاءهم في حقوقهم . و يبدو أن المقيم العام الاسباني بتطوان كان على درجة من التفاهم مع الوطنيين في أغلب الأحيان و يظهر ذلك جليا في تساهل الإدارة معهم في كثير من الأمور فقد أشارت الجريدة أثناء تغطيتها للمهرجان الخطابي الذي نظمه حزب الإصلاح الوطني بمسرح اسبنيول يوم الجمعة 9 ربيع الثاني عام 1356 الموافق 18 يونيو 1937 إلى تساهل السلطة و سماحها ببث خطب زعماءه عبر الراديو  25 . و عند تقديم اللجنة التنفيذية لحزب الإصلاح الوطني ل " مطالب الشعب المغربي " للمقيم العام الاسباني بعد تقديمها لخليفة السلطان في مارس 1938 , استقبل المقيم العام اللجنة استقبالا لائقا و حينها أشاد بحزب الإصلاح و أكد أن له مستقبل زاهر , ثم عبر عن غبطته من المطالب المقدمة باعتبار أن الحزب معين للحكومة على انجاز الاصلاحات , ثم أضاف شروحات مفادها أن حزب استقلالي كحزب الإصلاح الوطني لا ينبغي أن يطالب بالاستقلال مباشرة و لكنه ينبغي أن يعمل على تهيئ الظروف للاستقلال 26  , أما عن المطالب المقدمة فقد قال انه سيجيبهم عنها كتابة و سينظر فيما تتطلبه من نفقات و أعمال فنية ثم سيشرع في تنفيذها ثم أشار إلى أنه يقدر التعاون الموجود مع أهم نخبة من المثقفين في المنطقة الخليفية , و قد جاء في مقدمة المطالب المقدمة بالشمال أن تنفيذ الاصلاحات هو المدخل لاستقلال المغرب الإداري و منه إلى الاستقلال التام الذي من شأنه بناء صرح التعاون بين البلدين المغرب و اسبانيا , كما أنه من شأنه أن يكسب لاسبانيا عطف العالم الإسلامي و يسجل في تاريخها أنها الدولة الوحيدة التي لم يغلب عليها الطمع 27 .  
4 ـ جريدة الحرية و السياسة الفرنسية :
        في مقابل الليونة التي نهجتها جريدة الحرية في خطابها تجاه السلطات الاسبانية بالمنطقة الخليفية نلمس عكس ذلك تماما فيما يتعلق بالحماية الفرنسية , و هذا طبيعي بالنظر إلى أن الاعتقاد الراسخ الذي ساد لدى الوطنيين المغاربة , الذين في الواقع كانت الدفعة القوية لحركتهم هي حركة مقاومة الظهير البربري , أن الخصم اللدود للمغرب هو فرنسا و أن وجود اسبانيا إنما هو مستمد من وجود فرنسا , فتم التركيز على هذا المحور مند 1930 حتى 1953 , و ذلك في سياق خطة محكمة 28 , و في شهر دجنبر من سنة 1936 " كان الطريس يؤسس حزبه )الإصلاح الوطني (و يوجه عمله بتركيز ضد فرنسا " 29 , و قد لاحظنا في أعداد جريدة الحرية الكثير من النقد لسياسات فرنسا عامة و إدارتها في المغرب بشكل خاص ففي العدد الرابع 30 نجد أخبار عن احتجاجات تضامنية مع كتلة العمل الوطني التي تعرضت للمنع في الجنوب , و كذلك رفض السلطات لطلب تأسيس جمعية الرابطة القروية , و كذا الجمعية التعاونية لسائقي السيارات المغاربة , و في العدد اللاحق عادت الجريدة إلى الموضوع و أوضحت أن خصوم كتلة العمل الوطني استغلوا فرصة سفر المقيم العام الفرنسي إلى فرنسا فبدأوا بإرساله الكثير من التقارير المسيئة إلى الكتلة , و بعد رجوعه أمر بمنعها فتم المنع بقرار وزاري بناءا على مرسوم قديم , كما أشارت إلى أن قرار المنع بلغه المقيم العام مباشرة إلى الكتلة و لم يخف رغبته في استعمال العنف , و أن القرار ذيل بفكرة مفادها أنه هناك خطة مدبرة لمناصرة الفاشية 31 , و في عدد يوم 17 أبريل من نفس السنة كتبت الجريدة عن عما تداولته الصحف في شأن حالة الجوع و البؤس بجنوب المغرب منتقدة الحلول الجزئية و الغير كافية التي تقدمها الحكومة , كإعطاء البعض حفنات من الشعير أو بعض الفرنكات و إيواء البعض في ملاجئ خيرية بينما الغالبية العظمى من الشعب في البؤس و الفاقة 32 , و في الذكرى السابعة لصدور الظهير البربري كتبت الجريدة مقالا تحت عنوان " أمل الوطنية إلغاء السياسة البربرية " نددت فيه بعناد فرنسا و إصرارها على عدم إلغاء السياسة البربرية رغم ثبوت فشلها و استنكار العالم الإسلامي لها و كذا المؤتمر الإسلامي الذي انعقد في القدس 33 كما تساءلت ألا تريد سلطات الحماية إلغاء هذه السياسة و استبدالها بأخرى تؤدي إلى التفاهم و التعاون بين الحامي و المحمي من أجل الصالح العام؟كما نشرت في نفس العدد مطالب الشعب المغربي التي تتعلق بالسياسة البربرية مشيرة إلى الأمل الذي يعقد على حكومة الواجهة الشعبية و تتلخص تلك المطالب في إلغاء الظهير البربري و توحيد نظامي المحاكم و التعليم و منع التبشير و عدم دعم المبشرين سواء معنويا أو ماديا من أموال المغاربة , كما عادت الجريدة إلى موضوع الظهير البربري في العدد الموالي أي يوم 23 مايو لتكتب تغطيات عن المظاهرات التي خرجت في كل من تطوان و العرائش و القصر الكبير مع توجيه الكثير من النقد للسياسة الفرنسية ,  و في 20 يونيو من نفس السنة كتبت الجريدة مقالا حول إقدام السلطات الفرنسية بمراكش على منع الاحتفال بعيد المولد النبوي و هددت أعضاء اللجنة التي كانت قد تأسست لتنظيم إحياء هذه الذكرى 34 . و الواقع أن الوطنيين كانوا أحيانا يكتبون مقالات تتضمن نقدا حادا لفرنسا بدون مناسبة فالطريس قال انه لا يروى من الكيل لفرنسا بقدر ما كالته للمغرب المفدى , محاولا إبراز مكامن الضعف لفرنسا المتجلية في ضعف بنياتها الاقتصادية و الاجتماعية و الأخلاقية و أن نماذجها التاريخية كالثورة الفرنسية و حروب نابليون نماذج شاذة 35 , مشيرا إلى أن واقع فرنسا الهش و الضعيف بدأ يفتضح مع ضعف العملة و تراجع العي الجمعي و كون الجسد الفرنسي رهين الأمراض الجنسية , حتى تفاقمت الأزمة و كثرت الاضطرابات الداخلية و بدأت تنفض عن فرنسا الدويلات التي كانت تأتمر بأمرها , هذا و قد كانت هذه الكتابات التي تتناول موضوع فرنسا يغلب عليها النقد اللاذع و عباراتها تعبر عن حقد كبير على فرنسا و السياسة التي كانت تنهجها في المغرب .
5 ـ جريدة الحرية و قضايا المجتمع :
       كانت جريدة الحرية شديدة الاهتمام بقضايا الأمة في شتى مجالاتها و إذا كان ذلك يندرج ضمن مجال اختصاصها كصحيفة فان نظرتها إلى تلك القضايا يدخل في إطار المشروع الوطني الإصلاحي بشكل عام , و من القضايا التي أولت لها الجريدة الاهتمام هناك قضية التعليم و محاربة الأمية , أوضاع الفلاحين و العمال , انتقاد انتشار بعض الظواهر في المجتمع كالتبشير المسيحي و الدعارة و بعض البدع في مهرجانات استقبال الحجاج و غير ذلك .
أ ـ التعليم و محاربة الأمية :
       أولت الجريدة اهتماما بالغا لقضايا التعليم بالمنطقة الخليفية و كذا محاربة الأمية التي كانت تأخذ المبادرة للقيام بها الحركة الوطنية , فقد أشارت في العدد الثاني منها إلى إحداث حزب الإصلاح الوطني لجنة الدعوة و الإرشاد استكمالا لمشروع الحزب المتعلق بإصلاح الأمة , كما أشارت إلى أن لجنة المعارف في الحزب قررت تنظيم محاربة الأمية في الفروع و ذلك عن طريق استدعاء أساتذة لتنظيم محاضرات 36  , و في العدد الذي يليه , خصصت الجريدة صفحة كاملة لقضية التعليم إذ جاءت فيها مقالتين في الموضوع الأولى موقعة باسم محمد ابن الأبار و عنوانها " في التعليم " و ملخصها أن التعليم يعتبر ذا أهمية كبرى في تقدم و رقي الشعوب , و لكن وضعية التعليم و المدارس و المناهج التعليمية المغربية في حالة يرثى لها , فالإقبال بالعشرات في أمة تقدر بالملايين , كما أن التعليم قائم على ملء الأدمغة و شحن الأذهان دون تكوين الملكات 37 و لا خطر على الأمة أعظم من التعليم الناقص , ثم أضاف صاحب المقال أن التعليم الذي تنشده الوطنية لا زال بعيدا و يتجلى في إصلاح المدارس المتوفرة و إنشاء ما يكفي منها , و منع أي تعليم خارج ما ترضاه الأمة حتى لا تصبح الأمة موزعة النزعات و الأهواء , و يجب إيقاظ شعور الشعب بأهمية العلم و خطر الجهل . و المقال الثاني معنون ب " في التربية و التعليم " و فيه إخبار بعودة الفقيه داود مفتش التعليم بالشمال من مصر بعد قضاءه أكثر من شهرين هناك للإطلاع على نظم التعليم و مناهجها لتطبيقها بالمنطقة , و أنه بعد قليل ستبدأ اجتماعات المجلس الأعلى للتعليم لدراسة ذلك , و يرى الكاتب أنه يجب تربية الناشئة على روح قومية مستمدة من تاريخنا القومي و على روح الإبداع و الرغبة في البحث و ليس بشحنه بالأفكار المفيدة منها و غير المفيدة . و في عدد يوم 27 صفر من نفس السنة و تحت عنوان 38" الصراع بين النظام و الفوضى " نشرت الجريدة مقالا حول المجلس الأعلى للتعليم الإسلامي الذي يتخبط في مجموعة من المشاكل لأنه لا يتمتع إلا بصبغة  استشارية رغم الآمال التي علقت على حكومة ما بعد الانقلاب الاسباني لإصلاح أوضاعه , مع إشارة إلى أن المجلس كان على وشك إصلاح حالته لولا دخوله في صراع مع طلاب مدرسة لوقش الذين يريدون مجموعة من الامتيازات , و الذين هم في الواقع منقادون وراء مجموعة من الفوضويين و لبعض الأشخاص المتصلين بإدارة الاستعلامات , و المسؤولية حسب الجريدة ملقاة على سلطات الحماية فلو خولت للمجلس بعض الصلاحيات لاستطاع تدارك الوضع , و في عدد يوم 12 ربيع الأول كتبت الجريدة عن مدرسة مرتيل الحديثة البناء أنها ستخصص لأبناء الإسبان بدعوى أن المدرسة الاسبانية القديمة ستحول إلى مدرسة عربية اسبانية و سيكون فيها أستاذ واحد للقرآن 39 بينما الجريدة ترى أنها من الأولى أن تكون للمجلس الأعلى للتعليم الإسلامي . و في العدد 39 من السنة الثانية لصدورها نشرت الجريدة مقالا لعبد الخالق الطريس حول زيارة قام بها وكيل وزارة المعارف لاسباني إلى المغرب  و لاحظ تردي أوضاع التعليم بالمنطقة الخليفية و لابد أنه طالب سلطات الحماية بإعطاء شيء للتعليم بالمنطقة , ثم تساءل الكاتب عن الصيغة التي ينبغي أن يكون عليها هذا التعليم مؤكدا أن التعليم الحديث يقتضي إدراج الثقافتين العربية و الاسبانية مع ضرورة الاستفادة من الأساتذة الإسبان و من بحوثهم في مختلف العلوم و إدارة التعليم في حاجة أيضا إلى رأي استشاري من رجال الدين و الفكر المغربي 40 . كانت هذه مجموعة من الإشارات التي تبين اهتمام جريدة الحرية بقضايا التعليم بالمنطقة الخليفية .
ب ـ الأوضاع الاجتماعية و الاقتصادية :      
       كانت جريدة الحرية تهتم بشؤون الناس الاقتصادية و الاجتماعية و الكثير من الأمور المتعلقة بالحياة اليومية , إذ نجد في العدد الأول أن شركة التعاون الصناعي اتفقت مع شركة الكترا الاسبانية لكي تمدها الأخيرة بالتيار الكهربائي و لكن لم يكن قد اتفق بعد على ثمن الكيلواط إذ طلبت الكترا 13 سنتيمم لكن الشركة المغربية طلبت التخفيض لأن الأمر بتطوان لا يتطلب إلا إجراءات بسيطة 41 , كما أضافت أن سابقا كانت شركة الكترا ترفض أي تعاون لأنها كانت تنظر إلى الشركة المغربية كمنافس يزاحمها , و أوضحت الجريدة أن الصفقة ستستفيد منها كل الأطراف منها الشركتين و الحكومة , و أن شركة التعاون الصناعي شرعت في تقوية الأسلاك و تعويض النقص خصوصا عندما لمست لدى بيكبيدير رغبة في التعاون في هذا المجال . كما تابعت جريدة الحرية ما تناقلته الصحف من حالة البؤس و الجوع التي كان عليها المغاربة في منطقة الحماية الفرنسية في ربيع 1937، 42 و أوضحت أن الحلول الجزئية التي كانت تقدمها الحكومة غير كافية , و كانت الصحف التي كتبت عن الموضوع كما أشارت ال ذلك جريدة الحرية هي "الأطلس" و "الوضوح" , و في العدد السابع و ضمن عمود حديث الأسبوع نشرت الجريدة مقالا باسم لجنة الدعاية و النشر بعنوان " الفلاح عنصر الحياة في الأمة " 43 و هو قراءة في وضعية الفلاح المغربي السيئة و ما يعاني منه من فقر و جهل و سطوة المعمرين الأوربيين مع الإشارة إلى اهتمام الحركة الوطنية بوضعيته , و تذكر الجريدة بطلب الوطنيين من سلطات الحماية تحسين وضعية الفلاح و صحته و تعليمه و دعمه بتسهيلات لتحسين نشاطه . و في العدد الحادي عشر كتبت الجريدة تحت عنوان " قيمة العامل المغربي " 44 عن التمييز في قيمة الأجرة بين العمال المغاربة و الأوربيين في محطة القطار بالقصر حيث كان المغربي يتقاضى أربع بسيطات بينما يتقاضى الأجنبي خمس بسيطات , و رغم ذلك الامتياز فقد وقعت في 15 مايو زيادة بسيطة و نصف للأجانب دون المغاربة مع أن الشروط المبرمة تخول للعامل المغربي التمتع بما يتمتع به الأجنبي كما أشارت إلى أنه ورد في مطالب الشعب المغربي المقدمة تسوية العامل المغربي مع الأجنبي في الأجور .
ج ـ قضايا أخرى مختلفة :
       و من القضايا الاجتماعية التي اهتمت بها جريدة الحرية نجد فضح التبشير المسيحي فإذا كانت " مطالب الشعب المغربي " قد تضمنت منع التبشير بالمسيحية و عدم تقديم أي نوع من الدعم للمبشرين فان رجال و نساء الكنيسة كانوا فعلا يمارسون التبشير , و من أمثلة ذلك ما كتبت عنه الجريدة في العدد السابع عن وجود فرع للتبشير المسيحي تابع للكنيسة البروتستانتية بتطوان 45 حيث تقوم الأخوات البيض بتقديم الدواء للنساء المغربيات مقابل إسماعهن آيات من الإنجيل , و مع عدم فعالية ذلك لمدة طويلة صرن يعتمدن على حي سيدي طلحة الهامشي و استغلال ظروف الفقر و الجهل و القيام ببعض أعمال الخياطة و صناعة العقد وسط نساء و أطفال الحي و تلقينهم المسيحية في محاولة للتأثير عليهم ووجهت الجريدة نداءا إلى علماء الشريعة لإجراء تحقيق في الموضوع .
      و من القضايا الاجتماعية كذلك ظاهرة انتشار الدعارة بين بعض المغربيات حيث فضحت قضية ضبط أربع مغربيات متلبسات مع ضابط اسباني في زاوية بمحل يسمى " سنبلة الذهب " مخصص لبيع الحلويات ظاهريا و يوجد بشارع المصلى القديمة 46 حيث عبر الكاتب عن الغضب الذي تملكه حينما رأى المشهد و حسرته عن ما آل إليه الدين . كما كتبت الجريدة عن موسم استقبال الحجاج بشفشاون عام 1356 و انتقت ذلك الوضع الذي تختلط فيه النساء بالرجال على نغمات الطبول و المزامير 47 مشيرة الى أن مثل تلك المنكرات يتخذ منها صورة يمثل بها للإسلام .
      و من القضايا كذلك نجد مقالا حول الأوضاع العامة بمدينة طنجة تحت عنوان " رسالة طنجة " 48 يتحدث صاحبه عن كون طنجة مختلة أمنيا , و أنها أصبحت مأوى لكل فوضوي مشاغب و مرتع لكثير من أنواع البوليس السري و العلني , حيث لكل دولة بوليس بطنجة و لكن لا يخدم إلا مصلحة دولته , حيث ظهر أخيرا بوليس جديد طوال القامة و بشوارب مفتولة يقال عنه أنه خصص للقبض على المغاربة ذوي المظاهر الفاشستية .
خلاصة :
       نستنتج مما سبق أن جريدة الحرية التي كانت لسانا لحزب الإصلاح الوطني الذي ضم نخبة من أهم المثقفين الوطنيين كانت تعبر عن مواقفهم تجاه مختلف القضايا التي تهم القضية المغربية و المغاربة بشكل عام , كما كانت شاملة من حيث مجالات اهتمامها , و لهذا فهي الآن تعد من أهم المصادر التاريخية للفترات التي كانت تصدر فيها فهي تمكننا و تزودنا بالمادة المصدرية لتحديد موقف الوطنيين بالمنطقة الخليفية مع الإدارة و السلطات الاسبانية و السياسة الفرنسية خاصة و أن الحزب يعرف عنه تركيز عمله مند تأسيسه ضد فرنسا , كما يمكن الاعتماد عليها في استخراج المادة التاريخية للتاريخ الاجتماعي و الاقتصادي للمرحلة مثل ما يتعلق بأوضاع العمال و الفلاحين و حالات الجوع التي كان يعاني منها المغاربة من حين لآخر , و انتشار بعض الظواهر في المجتمع المغربي كالتبشير المسيحي و الدعارة و بعض البدع المتعلقة ببعض الممارسات الموروثة لدى المغاربة .
الهوامش :    
1.        أنظر الصفحة الأولى من عدد 2 لجريدة الحرية بتاريخ الأحد 8 محرم 1356 موافق 21 مارس 1937
2.       أنظر الاعلان أسفل الصفحة الرابعة من العدد الرابع بتاريخ الأحد 22 محرم عام 1356 موافق 4 أبريل 1937 .
3.       أنظر أسفل الصفحة الثانية من عدد 9 بتاريخ الأحد 27 صفر عام 1356 موافق 9 ماي 1937 .
4.       جريدة الحرية عدد 2 الصفحة الأولى بتاريخ الأحد 8 محرم 1356 موافق 21 مارس 1937 .
5.       نفس العدد السابق ص 3 .
6.       جريدة الحرية عدد 4 بتاريخ الأحد 22 محرم 1356 موافق 4 أبريل 1937 الصفحة الأولى .
7.       جريدة الحرية العدد 6 بتاريخ الأحد 7 صفر عام 1356 موافق 18 أبريل 1937 , الصفحة الأولى .
8.       جريدة الحرية عدد 9 بتاريخ الأحد 27 صفر عام 1356 موافق 9 ماي 1937 ص 2.
9.       جريدة الحرية عدد 10 بتاريخ الأحد 5 ربيع الأول عام 1356 موافق 16 ماي 1937 , الصفحة الأولى .
10.   جريدة الحرية عدد 11 بتاريخ الأحد 12 ربيع الأول 1356 موافق 23 ماي 1936 , ص 2.
11.   عدد يوم الأحد 25 ربيع الأول عام 1356 موافق 6 يونيو 1937 , ص 3 .
12.   الحرية عدد 14 بتاريخ الأحد 11 ربيع الثاني 1356 موافق 20 يونيو 1937 الصفحة الأولى .
13.   من خطاب عبد الخالق الطريس في الحفل الذي نظمه حزب الاصلاح الوطني يوم الجمعة 9 ربيع الثاني 1356 موافق  18 يونيو 1937 و الذي أذيع عبر الراديو و نشرته جريدة الحرية بعد يومين في صفحتها الأولى .
14.   الحرية عدد 1 السنة الثانية بتاريخ الخميس 7 محرم عام 1357 موافق 10 مارس 1938 , ص الأولى .
15.   نفس العدد السابق ص 4 .
16.   أنظر جريدة الحرية عدد يوم الأحد 29 محرم عام 1356 موافق 11 أبريل 1937 , الصفحة الرابعة .
17.   جريدة الحرية عدد يوم الأحد 15 محرم عام 1356 موافق 28 مارس 1937 .
18.   جريدة الحرية العدد الأول , السنة الثانية بتاريخ 7 صفر عام 1357 موافق الخميس 10 مارس 1938 ,ص 3 .
19.   نفس العدد السابق الصفحة الأولى .
20.   عبد المجيد بنجلون ," الحركة الوطنية بالمغرب الخليفي و المقاومة المسلحة 1953 ـ 1956 " مجلة أبحاث , ع 34/35 , شتاء / ربيع 1996 ,ص 78 .
21.   محمد العربي المساري , " المغرب بأصوات متعددة " , سلسلة شراع 2 , ص ص 91 , 92 .
22.   ر . ريزيت , الأحزاب السياسية في المغرب , تعريب : محمد ضريف , محمد كرامي , و محمد شقير , منشورات المجلة المغربية لعلم الاجتماع السياسي , ط 1 , 1992 , ص 326 .
23.   جريدة الحرية عدد 1 السنة الأولى , بتاريخ الأحد 8 محرم عام 1356 موافق 21 مارس 1937 الصفحة الأولى .
24.   جريدة الحرية العدد 6 السنة الأولى بتاريخ الأحد 7 صفر عام 1356 موافق 18 أبريل 1937 الصفحة الأولى .
25.   جريدة الحرية , عدد 14 , بتاريخ الأحد 11 ربيع الثاني عام 1356 موافق 20 يونيو 1937 الصفحة الأولى .
26.   جريدة الحرية , عدد 1 السنة الثانية بتاريخ الخميس 7 محرم 1357 موافق 10 مارس 1938 , ص 2 .
27.   نفس المصدر السابق ص 4 .
28.   محمد العربي المساري , م.س , ص 85 .
29.   نفس المرجع السابق , ص 92 .
30.   جريدة الحرية ع 4 , بتاريخ الأحد 22 محرم 1356 موافق 4 أبريل 1937 , ص 4 .
31.   جريدة الحرية , ع 5 بتاريخ الأحد 29 محرم عام 1356 موافق 11 أبريل 1937 , ص 4 .
32.   جريدة الحرية , عدد 6 بتاريخ الأحد 7 صفر عام 1356 موافق 18 أبريل 1937 , ص 3 .
33.   جريدة الحرية , العدد 10 , بتاريخ الأحد 5 ربيع الأول 1356 موافق 16 ماي 1937 , الصفحة الأولى .
34.   جريدة الحرية , العدد 14 , بتاريخ الأحد 11 ربيع الثاني عام 1356 موافق 20 يونيو 1937 , ص 3 .
35.   عبد الخالق الطريس " افلاس فرنسا داخلا و خارجا " جريدة الحرية , ع 11 بتاريخ الخميس 3 ربيع الثاني عام 1357 موافق 2 يونيو 1938
36.   جريدة الحرية , ع 2 , بتاريخ 8 محرم عام 1356 موافق 21 مارس 1937 , ص 3 .
37.   جريدة الحرية , ع 3 , بتاريخ 15 محرم عام 1356 موافق 28 مارس 1937 , ص 5 .
38.   جريدة الحرية , ع 9 بتاريخ  الأحد 27 صفر عام 1356 موافق 9 ماي 1937 ,ص 3 .
39.   جريدة الحرية عدد 11 بتاريخ الأحد 12 ربيع الأول 1356 موافق 23 ماي 1937 , ص 2 .
40.   جريدة الحرية , عدد 39 , السنة الثانية , بتاريخ الخميس 7 ذي القعدة عام 1357 موافق 29 دجنبر 1938 , الصفحة الأولى .
41.   جريدة الحرية , العدد الأول , بتاريخ فاتح محرم عام 1356 موافق 14 مارس 1937 , ص 2 .
42.   جريدة الحرية , ع 6 , بتاريخ 7 صر عام 1356 موافق 18 أبريل 1937 , ص 3 .
43.   جريدة الحرية , ع 7 , بتاريخ 14 صفر عام 1356 موافق 25 أبريل 1937 , الصفحة الأولى .
44.   جريدة الحرية , ع 11 , السنة الثانية , بتاريخ الخميس 3 ربيع الثاني عام 1357 موافق 2 يونيو 1938 , ص4 .
45.   جريدة الحرية , ع 7 , بتاريخ الأحد 14 صفر 1356 موافق 25 أبريل 1937 , ص2 .
46.   جريدة الحرية , ع 2 , بتاريخ الأحد 8 محرم عام 1356 موافق 21 مارس 1937 , ص3 .
47.   جريدة الحرية ,ع 10 , بتاريخ الأحد 5 ربيع الأول عام 1356 موافق 16 ماي 1937 , ص3 .
48.   جريدة الحرية , العدد 6 , بتاريخ الأحد 7 صفر عام 1356 موافق 18 أبريل 1937 , ص3 .